العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٠٢ ٢٠١٩ - 11:43

(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)


 

تقول مراجع علوم الأرض إن الكرة الأرضية تتكون من طبقات مختلفة يحيط بعضها بعضا، وتتزايد كثافتها باطراد من السطح إلى المركز، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الكثافة العالية التي توجد في باطن الأرض، وإلى بعض المعادن ذات الكثافة الشديدة في قوله تعالى:

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) (الزلزلة 1-2)

(وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) (الانشقاق 3-4)

(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) (الحديد 25)

وتفيد الآيات السابقات بأن الأرض يوم القيامة سوف تخرج أثقالها من أجساد ومعادن وصخور ومياه وغيرها، وبذلك تتخلى عما بداخلها، وهذا معناه أن ما بداخل الأرض يتميز بعظم وثقل وزنه، ما يفيد بأن مكونات الأرض في جوفها أثقل من مكوناتها عند سطحها.

ولقد جعل الله الأرض بهذا التوزيع الداخلي للأثقال حتى تتكون قوى الجاذبية الأرضية، كي تتماسك الأرض، وتكون ملائمة تماما للحياة والاستقرار عليها سواء للبشر أو الحيوان أو النبات، فإذا أراد الله أن ينهي هذه الحياة بجميع صورها، فما على الأرض إلا أن تطيع وتتخلى عن مسؤولياتها، وتلقى ما بداخلها وتنتهي بذلك الحياة عليها.

وإذا تمعنا في الآية الكريمة الثالثة من بداياتها، نجدها تعرض بانوراما للقوانين والشروط التي يجب توافرها على الأرض، كي تستمر الحياة في انتظام كما أرادها الخالق جل وعلا:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد 25) يقول الشيخ الشعراوي إن البينات هي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاء به الرسل وحقيته. (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) وهو يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، (وَالْمِيزَانَ) يشير إلى العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود وغيرها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومنافع للناس) من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك، وما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا ويحتاج إلى الحديد.

وتبدأ الآية الكريمة بالحديث عن إرسال الرسل بالبينات، وإنزال (الكتاب) و(الميزان) معهم وقد وردت كلمة (الكتاب) وليس (الكتب) وهذه إشارة واضحة إلى وحدة (الكتاب)، ووحدة (مصدره)، وكذلك وحدة (الميزان). وكلها إشارات إلى (وحدة الرسالة) في جوهرها، وأن كل الرسالات جاءت لتقر في الأرض ميزانا واحدا ثابتا ترجع إليه البشرية لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والناس، ثم تنتقل الآية الكريمة فجأة إلى (إنزال الحديد)، فهل يشير الحديد إلى شيء من (التوازن) في الكرة الأرضية؟ وبما أن (الحديد) تتركز فيه قوى الجاذبية فهل هو ميزان الأرض؟ أي كما طبق المولى جل وعلا الموازين بالحق بين الناس لتنتظم حياتهم، جعل الحديد ميزانا للأرض ومثبتا لها في حركاتها ودورانها وحفظا بالجاذبية على من فوقها من إنسان وحيوان ونبات وجبال وأنهار.. إلخ، وقد اتجهت الإشارة إلى البأس الشديد في الحديد، أي (القوة في السلم والحرب) و(منافع للناس)، حيث تقوم حضارة الإنسان اليوم على الحديد، وهي إشارة إلى التصنيع والتطوير وما يتطلبه إعمار الأرض، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، والله سبحانه وتعالى يعلم بمن سيتبع دينه الحق وقوانينه وموازينه التي لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من أمامها، وهو لا يحتاج إلى النصر من أحد (فهو قوى عزيز)، فهل القوة هنا تتماشى في سياقها مع (الحديد) الذي هو رمز القوة والبأس؟

ومع تقدم علوم الأرض وتطورها، ثبت للعلماء أن الحديد ليس معدنا أرضيا، حيث اكتشفوا أن تكون معدن الحديد يحتاج إلى طاقة أكبر من طاقة شمسنا، فطاقة الاندماج النووي في شمسنا بالكاد تنتج عنصر الهيليوم ثاني عناصر الجدول الدوري، لكن حديد الأرض والذي يصل إلى أكثر من ألفي مليون مليون مليون طن، لم يتشكل أبدًا في الأرض ولا حتى في المجموعة الشمسية وهذا تفسير منطقي للفظ (وَأَنْزَلْنَا). والحديد هو أحد عناصر الجدول الدوري، وبالتحديد في المجموعة الثامنة والدورة الرابعة ويصنف من الفلزات تحديدًا، وهو من أقدم المواد التي استخدمها الإنسان، ولا يزال حتى اليوم الأكثر استخدامًا، وعند فحص النيازك الواصلة إلى الأرض توصلوا إلى أن 90% من كتلة النيزك من الحديد، وتبين مع تقدم علوم الفضاء أن الحديد يأتي من جوف النجوم العملاقة عند نهاية دورة حياتها، حيث يشكل الحديد قلوب تلك النجوم. 

وما يحير كل مطلع على هذه الآية، يجد أن كل المعلومات التي جاءت بها الآية الكريمة تعتبر من المعلومات الحديثة التي لم تعرف إلا منذ سنوات ليست بالكثيرة، فكيف تأتي لنبينا الأمي معرفة التدرج في كثافات معادن الأرض وصخورها كلما توغلنا داخلها، وأن الحديد ليس من أصل الأرض وإنما نزل من السماء، إلا أن يكون ذلك وحيا من الله سبحانه وتعالى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news