العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حـسيـن التـونسي الذي رفعه عـلـمـه وخـلـقـه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (86)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٢ ٢٠١٩ - 11:42

 المرحلة المصرية (65): 

شذور من خلاصة الرحلة الشرقية (تكملة)

كان ضمن من لقيهم الإمام الأستاذ أحمد كرد علي الأديب الفاضل المهذب صاحب جريدة «المقتبس» الزاهرة وقد نشرت هذه الجريدة تقريظًا مطنبًا لرسائل ألفها الإمام وهي: الحرية في الإسلام – الدعوة إلى الإصلاح – حياة اللغة العربية.

وقالت في صدر هذا التقريظ معظم تأليف التونسيين الأخيرة على فضل علم وأدب وإن خاصتهم لا يؤلفون في الغالب إلا إذا اعتقدوا واعتقد الناس فيهم الكفاءة والعلم.

وممن تبادل الزيارة مع الإمام الشيخ عبدالباقي المفتي المالكي وهو من أصهار الأمير عبدالقادر الجزائري وقد جرنا الحديث إلى ما تمتع به هذا الأمير من الشهرة بسبب صفات لم تتوافر لواحد من فضلاء عصره.

وفي اليوم الثامن والعشرين من رمضان حضر الإمام درسًا ألقاه أخوه العالم الجليل زين العابدين بن الحسين ختم به كتاب «الأربعين النووية» بجامع يدعى جامع التوبة وقد حضره الأساتذة: عطاء الكسم، يحيى القلعي، الشيخ محمود وكانوا يعتكفون في العشر الأواخر بهذا المسجد واعتذر أحد الفضلاء عن ذلك قائلاً: شغلناكم وأنتم معتكفون. فقال الإمام: إن المذاكرة في المسائل العلمية من قبيل الطاعات الملائمة في الاعتكاف والعجيب في أمر هذا الجامع أنه كان خانا يعرف بابن الزنجاري يجري فيه الفسوق والفجور على قدم وساق، فقالوا للملك الأشرف إن هذا لا يليق ببلاد المسلمين، فهدمه وعمره مسجدًا جامعًا وسماه الناس: جامع التوبة كأنه تاب مما كان فيه.

- حكم القيام للقادم على المجلس:

من المسائل التي تعرض لها صاحب الدرس حكم القيام للقادم على المجلس لأن البعض يبالغ في ذلك حتى يكرروا القيام للرجل الواحد في المجلس الواحد وقد بين أن القيام قد يتعين إذا كان تركه يؤدي إلى انكسار خاطر وانصداع شمل الألفة وأضاف الإمام: هذا راجع إلى حال القادم ونيته فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه مُنع وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز وخاصة عند القدوم من سفر ونحوه.

وفي ليلة العيد جلس الإمام بالمنزل مع إخوته حيث زارهم بعض الفضلاء ودارت مسامرات علمية وذكر أحدهم قول الخطباء في العيد «ليس العيد لمن لبس الجديد وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد».

فنظم الإمام هذين البيتين في هذا الغرض:

ما العيد للشَّعب في تنْميق أثْواب.. ولا ملاقاة إخْوانٍ وأصحاب

وإنما العيد أن تحْيَا بصائرُهم.. بنُور هُدىً وعِرْفَان آداب

دلائل النبوة:

زار الإمام يومًا الأمير عبدالله بن الأمير عبدالقادر الجزائري وضم المجلس طائفة من العلماء ودارت محادثات علمية دينية وقد قال الشيخ السعيد الزواوي: إن مما يظهر له من دلائل النبوة قوله عليه الصلاة والسلام«لا نبي بعدي» وذلك أنه صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات الحكمة والجميع يعترف بهذا حتى من لم يؤمن به والرجل الحكيم يتحاشى أن يقضي (يحكم) على المستقبل بعبارة قاطعة إذ لا يدري ما تلده الأيام وتبرزه للناس من تصرفات الأقدار التي تنكث أقواله وتحل عقد ما نظمه الأتباع والأشياع.

فإن إقدامه صلى الله عليه وسلم على هذه العبارة الفاصلة مع ما مر من تلك القرون المتطاولة ولم يظهر في الوجود ما ينقضها بحيث لم يدع أحد منصب النبوة وله شبهة في إدعائه دليل على أنه إنما ينطق عن وحي سماوي ينزل على قلبه المنير.

وقال الإمام وأنا أيضًا مما يقوي إيماني ما جاء في القرآن من التشابه فكثيرا ما أقول في نفسي لو كان هذا القرآن من عند بشر يزعم الرسالة لتحرى فيه العبارات الصريحة في العقائد التي يدعو إليها وتجافى عن المتشابه قدر طاقته لذلك فإن ورود المتشابهات في القرآن في أثناء المحكمات إنما يكون لحكم غامضة لا تخطر في عقول البشر والعلماء الذين اهتدوا إلى البحث فيها اعتقدوا أنها لا تأتي في كلام الله إلا لأسرار بديعة ولولا هذه المتشابهات لم تخطر على عقولهم تلك الحكم. ومن جملة هذه الحكم أن من مقاصد الإسلام الإذن للعقول أن تسرح في النظر وتنبسط في الاعتبار ووسيلة ذلك أن ترد في الشريعة أقوال لا يفهم المراد منها لأول سماعها حتى السامع لإِعْمال البحث وإجالة الفكر لمعرفة المراد منها وفي هذا تمرين للعقول على النظر والاتساع في الفكر وإذا اعتادت ذلك عافت الجمود واستقذرت التقليد في معتقداتها

 وجرت مسامرة حول حديث «كما تكونوا يولى عليكم» فقال الإمام: إن أبا بكر الطرطوشي قال: بلغني هذا الحديث فأخذت افحصه من جهة السند فمر علي وأنا أتلو قوله تعالى «وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا» (الأنعام/ 129) فاكتفيت بها عن الحديث. وهذا الحديث ذكره السيوطي في الفتاوى الدينية وذكر ابن الأنباري في بعض كتبه أن الرواية «تكونوا» بحذف النون كما رواه ابن جميع في معجمه.

محاورة مع الشاعر خير الدين الزركلي صاحب كتاب «الاعلام».

من أدباء دمشق الشاعر المجيد السيد خير الدين الزركلي وقد لاحظ الإمام أنه ينحو في شعره فلسفة أبي العلاء المعري فخاطبه بقوله:

يا مُحضِرًا في بُرْد شعر للنُّهى... روَح المعرِّي كي تُغَازل بالحِكَمْ

من علَّم الشعراء أن يستحضروا... روحًا تردَّى جسمُها ثوب العدَمَ

فأجاب الزركلي بقصيدة من شعره البليغ جاء في مطلعها:

من للقَرِيضِ إذا دعوتُ والقلمْ... والشرق صار به السُّباتُ والعَدَم

ألف السَّهَاد النائمون به كمَا... ألف العَلَاء الناهِضُون من الأمم

إلى أن يقول:

ولرُبَّ ذُو خَطَلٍ يلقِّب عصرنَا... عصر الرُّقي صَحَا فأنْكر ما زَعَم

ثم قال:

لو أنَّ فيه أبَا العَلَاء تحطَّمتْ... أقلَامُه ولما شَدا ولَما نَظَم

(الخطل: الكلام الفاسد المضطرب الكثير) ولقي الإمام الشيخ عطاء الكسم الذي أهداه رسالة من تأليفه في التوسل وهو من أفاضل علماء دمشق وقد ابتدأ قراءة صحيح البخاري وانخرط أخو الإمام السيد العروسي بن الحسين في سلك هذا العالم الجليل.

والتقى الإمام بمجموعة من أفاضل علماء دمشق منهم السيد شكري العلي أحد مبعوثيها والأمير طاهر حفيد الأمير عبدالقادر الجزائري والسيد محمد عابدين المعاون بهيئة المحاسبة الذي زار الإمام في أحد ليالي رمضان ودار في سمر تلك الليلة أن المناظرة في فروع الدين مع من لا يعتقد بصحة أصوله ليس لها كبير فائدة وإنما تبدأ المناظرة في الأصول والعقائد فإن لم تقع منه موقع التسليم كانت المباحث في الفروع غير مجدية وإن وقعت موقع التسليم وأخذت من نفسه مكانًا راسخًا أذعن لكل ما جاءت به الشريعة من التكاليف وحملها على كاهل الطاعة حتى ولو لم يدرك حكمتها لأنه يعلم أنها تنزيل من حكيم حميد. وليس معنى هذا سد باب النظر في الحكمة من قوانين الشريعة فإن معرفتها تزيد القلب اطمئنانا ولكن إذا لم تظهر لنا بعد البحث فإنا نفوض العلم فيها إلى شارعها لأنه عزيز حكيم، ولا يكون عدم إدراكنا للحكمة خادشًا في الاعتقاد بصحتها وصوابها.

فإذا ناظرنا أجنبي عن الدين في عمل مشروع فلا يأخذنا الخجل ولا تحوم حول قلوبنا الشبهة إذا قصرنا أن نكشف له عن حكمة جلية تقع موقع القبول لديه.

فراق دمشق:

عزم الإمام على الرحيل من دمشق يوم الاثنين في شوال سنة 1330هـ وركب القطار الذي أخذ يرغو ويضع ويحمل ويضع وكان فراق عائلته قد أخذ يلسع روحه فقال:

أردد أنفاسًا كذات الوقود إذْ... رمتني من البَيْن المشتُّ رواشق1

وما أنت مثلي يا قطار وإنْ نأى... بك السَّيْرُ تغشى بلدة وتفارقُ

فمالك تلقى زفرة بعد زفرة... وشملك إذ تطوى الفَلَا مُتنَاسِقُ

ونظرًا إلى انتشار بعض الأمراض في دمشق فقد قضى في محجر المريجات وهي قرية تقع على قمة الجبل وبها الكثير من الرياض الرائقة والأنهار الدافقة وكان يسامره في هذا المحجر السيد إبراهيم المستنطق بالعدلية وينشده من شعره باللسانين العربي والتركي.

انطلق القطار من المريجات ونزل بخان يسمى قصر البحر وهو من أجمل المناظر من حيث التنسيق والموقع ومما أعجب الإمام فيه بيت فسيح به زرابي مبثوثة لأداء الصلوات، وكان الشاعر معروف الرصافي قد زار هذا القصر ونظم قصيدة في وصفه جاء في مطلعها:

لعمرك إنَّ قصْر البحر قصر... به يسلو مواطنَه الغريبُ

وتمتلئ العُيون به ابتهاجًا... إذا نظرَتْ وتنشرِحُ القُلُوب

ومن الذين زاروا الإمام في قصر البحر فضيلة العالم الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت بصحبة بعض أهل العلم ودارت مناقشات عديدة من بينها حكم المتعاقد مع شركات التأمين على البضائع وهذا موضوع يرجع فيه إلى المجامع الفقهية لذلك لا نطيل الكلام فيه. وتحدث مفتي بيروت عن قيام بعض ولاة الأمر بالوقوف في وجه من أرادوا أن يخرقوا سياج المروءة والدين بأفعالهم القبيحة عندما حدثهم الشيخ بدافع من الغيرة على المروءة والإنسانية.

وحكى الإمام: أن علي باشا أحد أمراء تونس كان يستدعي أعيان العلماء إلى مجلسه ومن بينهم شيخ يدعى حمودة الريكلي فقال الباشا: إني أكرم مثوى العلماء وأرفع مقامهم أن يسوم حقوقهم خسف كما كان في الماضي، ولكن الشيخ حمودة دفعه ضميره الحر إلى قوله: الوجه في هذا أن من تقدم من العلماء كانوا يعترضون الأمراء فيما يسوقهم إليه عامل الاستبداد فيطفئونهم حتى لا يكون في حياتهم نورًا يكشف عن مساوئ أعمالهم أما نحن – أيها العلماء – فقد ألقينا السلم وتغاضينا عن كل سيئة فبأي عذر تهضم حقوقنا أو تنتهب أعمارنا؟

فأثرت هذه الموعظة في نفس الباشا فجازى الشيخ بالمكرمة وأعاده إلى منزله على مركبه الخاص به وعدت هذه الواقعة منقبة فائقة للعالم وللباشا وهكذا يكون العلماء الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله.

1 الرواشق: يقال رشقه بالنبل وغيره: رماه به.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news