العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف (7): «هارون أخي»

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ٠٢ ٢٠١٩ - 11:40

 

ضمن دائرة العلاقات الاجتماعية التي يعيشها الناس منذ بدء الخليقة وحتى يأذن الله بطي السماء والأرض كطي السجل للكتب، هذه العلاقات ضرورة لأن الإنسان أي إنسان مدني بطبعه يحتاج كضرورة لا مناص ولا غِنى عنها إلى الاجتماع بدوافع المؤانسة أو إلى حاجة الأمن والطمأنينة أو العمل والرزق أو إلى التكاثر وإشباع غرائز دفينة في نفسه، كل هذه الدوافع شكلّت العلاقات الاجتماعية، وقرآننا تناولها بحيث أضفى على شكل منها اسمها الخاص بها والذي باتت تُعرف به لا بشيء غيره، راسمًا بذلك الحدود الدقيقة بين تلك الأشكال، ومن واجبنا نحن حملة القرآن أن نُبرز تلك الحدود ومحاولة التعرف على الفروق بينها من خلال مُصطلحات القرآن الكريم، لذا نحن أمام وصفات لكل علاقة مُمثلة بمفردة مكتنزة بالمعاني والدلالات، ومُؤطِرة للعلاقات، فهناك إطار «الأخوة – والخلة – والصحبة – والصداقة – والرفقة – والخدانة» وتلك نُطلق عليها مجازًا الفروع المهمة من العلاقات الاجتماعية، وهناك بقية من مفردات تُكمل الدائرة ليس مجالها اليوم في هذا المقال. 

أظن أن الرافعي عندما نزف قلمه بعبارات فائقة الجمال عن القرآن كان في حالة وجدانية نقلته من عالم الأرض وساحت به في ملكوت آخر أهلّته لكتابة ما كتب عن الألفاظ والمعاني وعلاقتهما ببعض، وخاصة قوله: «أنك تحسب ألفاظه هي التي تنقاد لمعانيه، ثم تتعرّف ذلك وتتغلغل فيه فتنتهي إلى أن معانيه منقادة لألفاظه، ثم تحسب العكس وتتعرفه متثبتا فتصير منه إلى عكس ما حسبت وما إن تزال مترددا على منازعة الجهتين كلتيهما، حتى ترده إلى الله الذي خلق في العرب فطرة اللغة» ولن نمِل الحديث عن قوة الجذب التي يمتلكها القرآن الكريم، ولا يستمتع بهذا إلا من تأنّى في القراءة وقرأه على مُكث وروية، ودليلُنا هو الآتي.

الأخ: هو المُشارك لك ولادة أو رضاعة «وقال موسى لأخيه هارون «أخلُفني في قومي» 142 الأعراف، من المعلوم أن هارون هو أخ لموسى بالولادة، «فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين» 30 المائدة، موضوع الآية هما ابنا آدم، «قال لهم هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل» 64 يوسف، وقد تُستعمل استعمالا مجازيًا، كما في قوله تعالى «فمن عُفي له من أخيه شيء..» 178 البقرة، هنا أخوة العقيدة المقصودة وليست أُخوة الدم ولا الرضاعة، «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا...» 12 الحجرات، الخلّة، معناها العام هو مقصود الآية، لترتيب الحياة الاجتماعية بأفضل وأهنأ صورة، وما أحوجنا لهذه التعليمات الربانية لنحيا حياة طيبة.

الخليل: المودة الكبيرة بين اثنين أو أكثر وهو من «الخلّة»، وأجلى صورة للخلّة هو ما عبّرت عنه الآية 125 من سورة النساء وهي خاصة بين إبراهيم وربه «اتخذ الله إبراهيم خليلاً» أي شرف ناله سيدنا إبراهيم!! وعلى النقيض من هذا المعنى السامي تأتي الحسرة والندامة ضمن الآية 28 من سورة الفرقان «يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانًا خليلاً» اكتشاف الحقيقة بعد فوات الأوان، «وإن كانوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلاً» 78 الإسراء، لكن هيهات لهم ذلك.

الصاحب: هو الملازم للآخر أيًا كان هذا الآخر، «إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا» 40 التوبة، «أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا» 9 الكهف، «فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لمدركون» وكثيرًا ما وردت بحق من يدخل النار أو الجنة بصيغة «أصحاب النار» و«أصحاب الجنة» أو «أصحاب مدين» و«وأصحاب الرّس».. الخ.

الصديق: من كان باطنه كظاهرة مع الآخر، لذا فهو أرفع منزلة من الصاحب، «فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» 100-101 الشعراء، وهي حالة وجدانية اجتماعية لا ينفك منها إنسان، وهي علاقة تُشبه ملح الطعام من دونه يُصبح الطعام باهتًا، وكذلك هي الحياة من دون صديق، وهم قلة إذا ما قُورنوا بالأصحاب.

الرفيق: هو الشخص المُؤنس الناصح في السفر والغُربة «وحسُن أُولئك رفيقًا» 69 النساء، هي حالة خاصة أثناء الترحال طلبًا للعلم أو الرزق أو حتى الترفيه، فيها يكون الرفيق الناصح الذي تأنس له النفس مطلبًا مهما في السفر والاغتراب.

الخدن: هي حالة مذمومة ولا يُقرها الشرع، فهي العلاقات الجنسية غير الشرعية، «... وآتوهن أُجورهنّ بالمعروف محصنات غير مُسافحات ولا مُتخذات أخدان...» 25 النساء، وضمن هذا الإطار وردت الأخدان في الآية الخامسة من سورة المائدة «... مُحصنين غير مُسافحين ولا مُتخذي أخدان...».

غطت هذه الألفاظ مساحة واسعة من العلاقات الاجتماعية التي نعيشها في كل تفاصيلها، فلا تداخل في الألفاظ القرآنية حيث البس كل حالة المُصطلح الذي يصفها وصفًا لا تعقيب وراءه، فما أحرانا أن نتوجه إلى القرآن قراءةً متأنية بقصد التذوق والفهم كجواز مرور لمزيد من التعلق به ككتاب أحاط بالأشياء والحالات إحاطة العليم الخبير. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news