العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

ثمرات الحج (1)

بقلم: د. علي أبوهاشم 

الجمعة ٠٢ ٢٠١٩ - 11:38

 

الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، التي يرتفع عليها بنيان الإسلام، والتي يظهر أثرها في النفس والسلوك والأخلاق، وفرض الله تعالى الحج على المستطيع مرة في العمر. فقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) آل عمران:97. وأخرج الحاكم في المستدرك بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، أو لَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.

 ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه لم يُكلف غير المستطيع بالحج. فلا يُكلف الله نفسا إلا وسعها. ولا يُكلف الله نفسا إلا ما آتاها. وفريضة الحج تُؤدى في كل سنة مرة واحدة في أشهر وأيام معلومة ومعدودة. يقول تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) سورة البقرة:197. وبين الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة كيفية أداء مناسك الحج، كما بين مواقيت الحج الزمانية والمكانية، وكيفية الإحرام وأماكنه، فقال صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم فلعلي لا أراكم بعد عامي هذا. السنن الكبرى للبيهقي من حديث جابر رضي الله عنه. 

وللحج ثمرات عظيمة تعود على الفرد والمجتمع، وثمرات الحج متنوعة ومتعددة فمنها ثمرات عقائدية، وثمرات دينية، وثمرات مالية، وثمرات اجتماعية، ومنها ثمرات عامة تشمل عموم الأمة، ومنها ثمرات خاصة تخص الحاج نفسه، تظهر في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته، ينتفع بها من حوله من أهله ومجتمعه، والله تعالى لم يفرض علينا ما فرضه من عبادات لنؤديها طقوسا من دون معنى وتدبر، بل فرضها سبحانه ليرتقي بها العبد المسلم في درجات الطاعات، ومكارم الأخلاق، ليبقى للمجتمع تماسكه وترابطه وأمنه وسلامته. فقال تعالى: (إن هذه أُمتكم أُمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء:92. وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) النحل: 36. وقال تعالى: (وألو استقاموا على الطرية لأسقيناهم ماء غدقا) الجن:16. وأعظم ثمرة من ثمرات الحج: تحقيق التوحيد الخالص لله رب العالمين. يقول تعالى: (فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص) الزمر: 2-3. يتحقق ذلك حينما يتجرد الحاج لله في تلبيته وإحرامه. فيهتف بقلبه ولسانه: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك. يرفع بها صوته حتى يتردد صداها في الكون حوله، لأن الكون كله موحد لله ويسبح بحمده تعالى، كما وقع لداود عليه السلام. يقول تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد) ص:10. فيعلن الحاج التوحيد في دعائه وفي طوافه وسعيه، حيث يكون دعاء الحاج في الطواف والسعي كله لله وحده لا شريك له، مُفتتحا دعاءه بتوحيد الله تعالى. حينما يرى الحاج البيت الحرام يدعو بهذا الدعاء كما ورد في السنة: اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك والأمن أمنك، والبلد بلدك، والعبد عبدك. ثم يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة. ويُكثر في طوافه بالبيت من قوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ومن قوله تعالى: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) ويحرص الحاج على أن تكون أقواله وأفعاله كلها على منهج التوحيد لله رب العالمين. وتلك أعظم ثمرة يحصل عليها الحاج حتى يُعلن التوحيد عقيدة خالصة لله رب العالمين، وعبادة لله وحده لا شريك له. 

ومن أعظم ثمرات الحج: التجرد من زينة الدنيا وشهواتها، والتزود من أعمال الآخرة. يقول تعالى في معرض الحديث عن الحج: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أُولي الألباب) سورة البقرة: 197. لأن الحاج الذي ترك أهله ووطنه وماله وولده ومنصبه وكل ما له في الدنيا، مقبلا على الله تعالى يرجو رحمته ورضاه، ويأمل أن يمحو الله ذنوبه وخطاياه، وهو يُشبه حال من حضرته منيته وخرج من دنياه إلى آخرته، حيث يودعه أهله، ويبقى في القبر وحيدا، لا ينفعه إلا عمله الصالح، والحاج عند خروجه للحج يتذكر ذلك مع الفارق أن لديه فرصة للتزود من الصالحات وعمل الخيرات، يتذكر الحاج في رحلة حجه الرحلة إلى الآخرة عندما يخلع ملابس الدنيا وزينتها، ويغتسل غسل الإحرام ويلبس لباس الإحرام (إزار ورداء) بالنسبة إلى الرجال. وهو يُشبه الكفن الذي يُكفن به الميت بعد غسله، يفعل الحاج ذلك بإرادته مهما كان منصبه ومنزلته، مُتجردا من زينة الدنيا ومتاعها، لأنه يعلم أن الآخرة خير وأبقى، ويعلم أن متاع الدنيا مهما كان مقداره بالنسبة إلى الآخرة قليل، يتذكر الحاج في طوافه بالبيت الحرام وفي سعيه بين الصفا والمروة وفي وقوفه بعرفات ومبيته بالمزدلفة يتذكر في ذلك يوم الحشر، حيث الكل مشغول بنفسه، والكل يرجو رحمة ربه، والكل يدعو ربه راجيا رحمته ورضاه، فتهون الدنيا في قلب ونفس الحاج، ويزداد شوقه للآخرة، فيُقبل على الله بجد واجتهاد، يتحرى الحلال في كسبه ويراقب ربه في عمله وسعيه، ويُحسن في تعاملاته مع جميع الناس، لأنه عايش صورة مُصغرة من صور الآخرة، فيزداد في قلبه الإيمان، ويتحلى بصفات الخير والإحسان. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم مُحسنون.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news