العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

بصمات نسائية

عشت حبيسة عالم الإعاقة المظلم حتى عمر 30 عاما ثم تمردت

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ٣١ يوليو ٢٠١٩ - 10:50

تحدت إعاقتها وانتصرت عليها.. حاصلة على جائزة التميز في عيد العمال العالمي..

صاحبة قصة الكفاح والنجاح.. مريم أحمد محمد لـ«أخبار الخليج»:


فقط من يتحدى.. هو من يعيش!

هذا ما آمنت به تلك المرأة، التي لم ترد مجرد العيش فقط. بل اختارت لنفسها البطولة، رغم عالمها المليء بالتحديات، وذلك حين قررت عدم الاستسلام لإعاقتها التي ولدت بها، وحرمتها من الكثير في الحياة، فتمردت عليها، وواجهت صفعة الزمن بكل قوة، فسارت بكل ثقة في طريق العطاء لتصبح من المتميزات على الساحة.

مريم أحمد محمد، أثبتت أن الإرادة القوية تقصر المسافات، وتحطم القيود، وتعبر الحواجز، فبعد سنوات طويلة من العيش في الظلام، خرجت إلى النور، وانطلقت إلى المجتمع، لتصبح رمزا نسائيا يحتذى به، فاستحقت التكريم في يوم عيد العمال، وحصولها على جائزة التميز، لتسطر بذلك أجمل القصص التي يجب أن تحفر في الذاكرة.

«أخبار الخليج» توقفت عند هذه التجربة الإنسانية الفريدة من نوعها، واستدعت في الحوار التالي ذكريات الألم والمعاناة، والكفاح والنجاح: 

متي تم اكتشاف الإعاقة؟

إعاقتي بالولادة وهي عبارة عن قصر في الساق، اضطرني إلى استخدام طرف صناعي، وقد كنت الوحيدة من بين سبعة أبناء لوالديّ التي أصبت بالإعاقة، وقد حاول أبي علاجي حيث سافر بي إلى الهند أكثر من مرة أملا في تخفيف الحالة أو شفائها، ولكن شاء القدر أن يتوفى وأنا في عمر تسع سنوات، فانغلقت على نفسي، وعشت حبيسة ظلام الإعاقة، حتى أنني توقفت عن الدراسة في المرحلة الإعدادية إلى أن حدثت النقلة المهمة في حياتي.

وما تلك النقلة؟

بعد سنوات طويلة من الاستسلام والعجز والحرمان، سألت نفسي إلى متى سوف أستمر على هذه الحال، وجاء الرد بالتمرد على كل هذا الوضع المزري، وقررت الخروج إلى الحياة، والانفتاح على المجتمع بعد قطيعة استمرت حتى عمر الثلاثين عاما، ورغم أنها خطوة متأخرة كثيرا، فإنها صنعت فارقا كبيرا في حياتي ومسيرتي.

وماذا بعد الخروج من الظلام إلى النور؟

لقد عشت في الظلام سنوات طويلة حبيسة عادات وتقاليد بالية، ترى أن المعاق يجب أن يلزم مكانه، لأنه عاجز عن تحقيق أي شيء، حتى أنني كنت لا أغادر المنزل مطلقا، وقد عانيت من تكريس هذه المفاهيم المغلوطة بداخلي من قبل جميع من حولي، وبسبب ظروفنا المادية الصعبة وتحمل والدتي مسؤوليتنا بعد وفاة والدي، قررت ممارسة العمل التجاري في مجال الأشغال اليدوية لتحمل نفقاتي.

وما الخطوة اللاحقة؟

استمررت هكذا سنوات طويلة حاولت من خلالها تخفيف العبء على والدتي التي كانت تمارس عملا تجاريا بسيطا لسد مستلزماتنا، إلى أن قررت استئناف الدراسة من جديد والخروج إلى العمل، وتحطيم هذه القيود التي كبلتني عمرا طويلا لم يفارقني فيه شعور العجز القاتل، وبالفعل جمعت بين الدراسة والعمل في آن واحد، وتغلبت على صعوبات كثيرة واجهتني في سبيل ذلك.

وما أهم تلك الصعوبات؟

لقد التحقت بمعهد البحرين للتدريب والضيافة للدراسة، بعد أن استخرجت بطاقة معاق ومن ثم رخصة سياقة محاولة الخروج من الوضع المزري الذي كنت أعيش فيه وشق طريقي في الحياة بمفردي، من دون وصاية من أحد، وقد قوبل تمردي هذا بالرفض الشديد من قبل أسرتي والمقربين لي، وكانت كلماتهم جميعا محبطة للغاية وتدعو إلى اليأس والاستسلام، ولكني صممت على تنفيذ كل أحلامي المؤجلة، وبالإرادة وبتوفيق من الخالق، استطعت أن أحقق الكثير منها.

أحلام مثل ماذا؟

أهم حلمين في البداية هما الدراسة والعمل، وبالفعل حين التحقت بمعهد البحرين للتدريب والضيافة للدراسة، كنت أعمل في وظيفة بأحد الفنادق، وكنت أدرس خلال النهار، وأعمل في نوبات ليلية، ورغم صعوبة التوفيق بين مسؤولياتي المتعددة في الوقت نفسه فإنني تغلبت على جميع المعوقات بالفعل ثم تخرجت بامتياز. 

وكيف تمكنت من إحداث التوازن بين مسؤولياتك؟

في البداية وكما ذكرت كنت أعمل في نوبات ليلية، وخلال النهار أتردد على المعهد للدراسة، ولكن بعد فترة فوجئت بجهة العمل تعترض على ذلك، وتم تخييري بين عملي ودراستي، فقررت أن أعمل تناوبا أسبوعيا بين العمل الليلي والنهاري، وكان لزاما عليّ في هذه الحالة التضحية بالدراسة مدة أسبوع أثناء عملي النهاري، وهكذا واصلت، ونجحت، علما بأنني تزوجت خلال نفس الفترة.

هل كان قرار الزواج أمرا صعبا؟

لم أجد أي صعوبة في اتخاذ قرار الزواج وخاصة أن زوجي إنسان متفتح ويؤمن بأن الإنسان لا يقيم على أساس شكله أو مظهره بل بناء على جوهره، حيث عرف عني استقلاليتي في كل شيء بشكل مطلق، بعد أن أصبحت إنسانة مختلفة تماما تغلبت على شعور النقص بداخلها، ولا يفوتني هنا تقديم كل الشكر والامتنان له، على دعمه ومساندته، وتحمله لي في بعض الأوقات الصعبة.

كيف تنظرين إلى نفسك اليوم؟

أرى نفسي اليوم إنسانة سوية، لا فرق بيني وبين غيري، فقد تغلبت على شعور الإعاقة القاتل، وأصبحت لدي قناعة بأن الإعاقة هي إعاقة الفكر، وليس الجسد، ولا أنكر أن هناك يدا خفية مدت لي وساندتني وانتشلتني من حالة اليأس والإحباط، وهي أقرب صديقة لي التي قدمت لي كل الدعم حتى تحولت من مريم المنكسرة المحترقة من الداخل المحرومة من كل شيء، إلى مريم جديدة تقف على أرض صلبة، وتعتمد على نفسها في كل شيء، هذا فضلا عن إنسانة أخرى أدين لها بالكثير.

من هي؟

هي سيدة الأعمال المعروفة رؤيا صالح التي أعمل لدى مطعمها اليوم وجعلت مني واجهة لمشروعها وأسندت إليّ الكثير من الأعمال والمسؤوليات ووثقت في قدراتي بشدة وبفضلها وصلت إلى ما أنا عليه اليوم وأصبحت جديرة بالحصول على جائزة التميز في عيد العمال العالمي، وأنا أعتبرها مثلي الأعلى في الكفاح والنجاح، فهي أختي وصديقتي، وأتوجه إليها بكل الشكر والتقدير.

ما شعورك حين تم تكريمك؟

لقد شعرت بفخر شديد حين تم تكريمي، واعتبرت أن الجائزة بمثابة حصاد سنين التعب والكفاح والحرمان، حيث تم ترشيحي من قبل مركز البحرين للحراك الدولي للحصول على جائزة التميز في يوم عيد العمال العالمي، وذلك من بين ثلاثة أشخاص متميزين، وقد كانت مفاجأة كبيرة لي حتى أنني لم أصدق نفسي في البداية، وأنا أرى أن هذه الجائزة هي أقوى رد على كل من أثناني عن تحقيق أحلامي.

وما علاقتك اليوم بأسرتك؟

أمي هي جنتي على الأرض، وأتمنى أن أجعل منها ملكة بعد أن ضحت بالكثير من أجلنا، فهي كل حياتي ورمز الكفاح بالنسبة إليّ، وأنا على تواصل دائم معها بشكل يومي، وكل هدفي هو حصولي على رضاها، أما إخوتي فالحمد لله علاقتي بهم اليوم جيدة، بعد أن سادها التوتر بعض الشيء في بعض الأوقات.

ما أكثر ما يؤلمك؟

أكثر ما يؤلمني هو حين يلقبني البعض بالعرجاء، ولكن هذا الألم هو سر قوتي في نفس الوقت، ولا شك أنني مررت بمضايقات كثيرة، سواء في العمل أو على الصعيد الاجتماعي، وذلك بسبب النظرة القاصرة إلى المعاق والتي نتمنى أن تتبدل. 

حلم ضائع؟

حلمي الضائع هو الأمومة، ولكني لم أيأس من رحمة الله، وكلي أمل في أن يحقق لي هذه الأمنية، وفي كل الأحوال سأظل أشعر بكل الرضا والقناعة تجاه كل ما وهبني ربي به.

رسالة إلى كل أم لطفل معاق؟

أقول لأي أم رزقها الله بطفل معاق، أن تعامله مثل إخوانه وأخواته الأسوياء، وألا تفرق بينه وبينهم في أسلوب التربية، وذلك لأن ذلك سوف يؤثر على نفسيته وعلى سلوكياته ونظرته هو لنفسه.

إلامَ يحتاج المعاق؟

الشخص المعاق يحتاج إلى دعم معنوي ومادي، وخاصة هؤلاء الذين لا يعملون، وليس لهم أي مصدر دخل آخر، فأنا أعتبر نفسي حالة مختلفة، بل محظوظة أحيانا، فرغم عدم توافر المؤهل أو الخبرة اللازمتين لدي، فإنني حصلت على فرصة عمل، بعد رحلة طويلة من المعاناة، وهذا هو نتيجة الجهد والاجتهاد والإرادة القوية وقبل كل شيء توفيق من الله سبحانه وتعالى. 

مبدأ تسيرين عليه؟

المبدأ الذي أسير عليه في الحياة دائما هو «تُعطِي تُعطَي» أي بقدر ما تعطي سوف تأخذ، ولذلك على الإنسان أن يسعى دائما وينجز ولا يستسلم لأي مشاعر تحبطه أو تثنيه عن العطاء والبذل، مهما واجه من صعاب أو تحديات، وهذا ما أشعر به كذلك تجاه المستقبل، حيث أتمتع بعزيمة قوية على مواصلة الدراسة والعلم والتعلم والترقي في العمل بمشيئة الله.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news