العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أمن الخليج العربي.. التحدي وحدود الاستجابة (3)
إجهاض المشروع الإيراني

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٩ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وهي تستهدف ضمن مخططاتها دول الخليج العربية ظنًا من إيران أن تلك الدول «هي الحلقة الأضعف» ضمن صراع إيران المزمن مع الدول الغربية، من ناحية أخرى كان لدى مخططي تصدير تلك الثورة إلى الخارج تصورًا مفاده حتمية نجاح تلك الثورة التي سعت إيران لتصديرها بالسبل كافة، ذلك الهدف الذي لم يتوقف قط بيد أنه اختلف باختلاف النخب الحاكمة في إيران عبر المراحل التاريخية المختلفة، فمحاولة اغتيال أمير دولة الكويت في الثمانينيات يعد أحد مظاهر تصدير تلك الثورة، أما هاشمي رفسنجاني فقد رأى أن تصدير الثورة لن يكون سوى بالقوة، وفي عهد محمد خاتمي حاول تغليف هدف تصدير الثورة بمفاهيم مثل حسن الجوار والحوار، بينما في حقبة أحمدي نجاد بدت إيران وكأنها «حامية المستضعفين في الأرض»، أما خلال عهد روحاني فيقدم نموذجًا للتناقض بين الأقوال والأفعال، بما يعني أنه واقعيًا لا يوجد اختلاف جوهري ما بين سياسات ما أسموه المحافظين والإصلاحيين، تلك الثنائية التي لطالما تم الترويج لها عن قصد لتبرير سياسات إيران الساعية إلى الهيمنة الإقليمية من خلال محاولات التغلغل في دول الخليج ودعم الجماعات الراديكالية تمويلاً وتدريبًا وتسليحًا الأمر الذي يتنافى مع مبادئ القانون الدولي الداعية إلى حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فضلاً عن الخطاب الإيراني العدائي تجاه دول الخليج الأمر الذي يدحض ما تعلنه إيران من آن لآخر بشأن الرغبة في عقد ما تسميه «معاهدة عدم اعتداء» إذ كيف يستقيم ذلك في ظل استمرار دعم المليشيات الحوثية في اليمن ووجود آلاف المقاتلين الإيرانيين في سوريا؟ وكذلك استمرار احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، والمشكلات الحدودية مع دول الخليج، من ناحية ثانية فإن سعي إيران إلى تطوير طاقة نووية للأغراض غير السلمية يعد مؤشرًا آخر على مخاطر المشروع الإيراني على أمن الخليج العربي والأمن الإقليمي عمومًا، فضلا عن التسلح التقليدي من خلال تطوير أجيال متعاقبة من الصواريخ البعيدة المدى، ما يمثل إخلالاً بتوازن القوى التقليدي في المنطقة وتكمن الخطورة في إمكانية تطوير إيران لأسلحة دمار شامل وامتلاك وسائل إيصالها إلى مسافات بعيدة. 

وبعيدًا عن الخوض في المزيد من التفاصيل حول مخاطر المشروع الإيراني الذي يستهدف بشكل عام أن تكون إيران هي القوة المهيمنة في تلك المنطقة ولا تريد أن تنسجم مع محيطها الإقليمي بما يتوافق وأحكام القانون الدولي، فإن التساؤل الذي يستهدف هذا المقال الإجابة عليه هو: هل نجحت إيران في تحقيق أهدافها؟

وتكمن الإجابة على ذلك التساؤل في التفرقة بين مرحلتين فارقتين في الصراع الخليجي-الإيراني الأولى والتي تمتد منذ قيام الثورة الإيرانية حتى عام 2011 إذ إن الملاحظ أن سياسات دول الخليج ربما كانت تتمثل في شجب وإدانة السلوك العدائي لإيران إلا أنه بعد ذلك العام نجد أن دول الخليج قد استطاعت تحقيق ما يمكن أن نطلق عليه «إجهاض المشروع الإقليمي لإيران» ابتداءً بالتدخل الخليجي للحفاظ على الأمن القومي لمملكة البحرين عام 2011 ومرورًا بقرار المملكة العربية السعودية تشكيل التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن والذي كان خطوة خليجية نوعية لتقليم «أظافر إيران الإقليمية» التي سعت لدعم المليشيات الحوثية كخطوة أولى نحو استنساخ تجربة الحرس الثوري مجددًا في اليمن وانتهاء بمطالبات دول الخليج الدول الكبرى بعدم اختزال المخاطر الإيرانية في البرامج النووية حيث إن التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول الخليج والجوار لا تقل خطورة عن تلك البرامج الأمر الذي حدا بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى إعلان الانسحاب من ذلك الاتفاق وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على قطاع النفط الإيراني، بالإضافة إلى نجاح الدبلوماسية الخليجية في جعل التهديدات الإيرانية بندًا ثابتًا على أجندة اجتماعات المنظمات الإقليمية والدولية، ما أوجد قناعة لدى العديد من دول العالم بمخاطر السياسات الإيرانية.

ومع أهمية ما سبق فإن تحليل ما يقرب من أربعة عقود من ذلك الصراع فإنه يمكن القول أنه صراع وجودي بمعنى أن السياسات الإيرانية تستهدف النيل من الإنجازات التي حققتها دول الخليج من خلال سياساتها المعتدلة التي تنهض على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ولا تريد الاعتراف بهوية وخصوصية دول الخليج ومجلس التعاون كمنظمة إقليمية.

وإزاء تلك المخاطر فقد أدركت دول الخليج منذ عدة سنوات أن التصدي للمشروع الإيراني لن يكون سوى بمشروع خليجي تجلت أبرز ملامحه في ثلاثة أمور أولها: العمل على تحقيق مفهوم توازن القوى بين ضفتي الخليج، إذ يؤكد التاريخ أنه لا أمن إقليميا من دون تحقيق ذلك المفهوم، فالأمن الأوروبي الذي تأسس على مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا عام 1975 لم يكن سوى نتيجة تحقق مفهوم توازن القوى، وفي هذا الإطار نجد أن هناك تفوقًا لدى بعض دول الخليج في السلاح الجوي وذلك ضمن حرص دول الخليج على تطوير قواتها الذاتية عمومًا إبان السنوات القليلة الماضية ومنها أيضًا القوات البحرية التي اكتسبت خبرات متعددة من خلال العمل مع الشركاء والحلفاء، ولاشك أن توازن القوى يعني أيضًا القدرة على ممارسة الردع والذي يقصد به ببساطة «تقديم أدلة للخصم لا يمكن تجاهلها بشأن توافر المقدرة الثأرية التي تكفل معاقبته بعنف عند أي محاولة من جانبه لإثارة الحرب لتحقيق مكاسب معينة على حساب الدولة الرادعة»، ثانيها: الاشتباك الخليجي مع محاولات إيران التمدد في المجال الجيواستراتيجي لدول الخليج وخاصة في منطقة القرن الإفريقي حيث قامت دول الخليج بتأسيس قواعد عسكرية في تلك المنطقة، وثالثها: تعزيز دول الخليج لشراكتها الدولية سواء مع الدول الكبرى أو المنظمات الدفاعية. 

 ومع أهمية تلك الخطوات يتعين على دول الخليج الاستمرار في مواجهة المشروع الإقليمي لإيران في ضوء ثلاثة اعتبارات الأول: استمرار حالة الصراع في إيران بين مفهوم «الثورة» ومفهوم «الدولة» حيث لاتزال الغلبة للمفهوم الأول، والثاني: استمرار إيران في تهديد الممرات الحيوية لنقل النفط وخاصة مضيقي هرمز وباب المندب، والثالث: استمرار إيران في التدخل بالأزمات الإقليمية الراهنة وخاصة في كل من سوريا واليمن والعراق وتوظيفها ضمن صراعها مع دول الخليج والدول الغربية الأمر الذي يدعو دول الخليج إلى المزيد من الانخراط في إجهاض المشروع الإيراني في تلك الدول لمحاصرة التمدد الإيراني الذي أصبح خطرًا ليس فقط للدول الخليجية ولكن للدول الكبرى في الوقت ذاته. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news