العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات
الرواية الخليجيّة من الإقليميّة إلى العالميّة الكونيّة

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٧ يوليو ٢٠١٩ - 10:25

أكثر من ستة عقود هي عمر الاشتغال الروائيّ الخليجيّ إذا ما تجاوزنا أزمنة الاشتغال والتجريب والبدايات الأولى التي تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته في المملكة العربيّة السعودية والبحرين والكويت. لقد أنتجتْ هذه الفترة الزمنية من الاشتغال أعمالاً روائية خليجيّة على درجة عالية من الإبداع السرديّ، ولا تقلُّ في مستوى إتقانها عن أعمال إبداعية روائيّة عربيّة حظيتْ بكثير من النقد، وأُدرِجَتْ في سياق التأريخ الأدبيّ التأسيسيّ عربيًا لهذا النوع السرديّ العالميّ. لقد كانتْ التحيّزات الثقافيّة حاضرة إذ ذاك في إنتاج ما يُسمى دول المركز الثقافيّ في مقابل دول الهوامش الثقافيّة، وهي تحيّزات جائرة ثقافيًا لم تتجاوز حدود مركزياتها المنمطة، ولم تنظر إلى حدود تخومها الثقافيّة. ولطالما قولبت الإبداعات الخليجيّة ضمن ثقافة البترودولار، وهي قولبة نمطية زائفة فمنذ عقود والمبدعون الخليجيون ينتجون أشكالاً إبداعية تجاوزت المحاكاة العربيّة إلى المحاكاة العالميّة كما احتفوا بعمق بخصوصيتهم الثقافية، واحتفوا كذلك بثوابت الوحدة العربية وقضايا المصير المشترك والقضايا الإنسانيّة الكبرى.

وفي السنوات الأخيرة فرضتْ الرواية الخليجيّة سطوة حضورها المؤثِّر بعمق في بروز اسماء روائيّة شابة حصدتْ جوائز عالميّة، وأشير هنا إلى اسمين مهمين هما الروائيّ الكويتيّ سعود السنعوسيّ في «ساق البامبو» والروائيّ السعوديّ محمد حسن علوان في «موت صغير»، وهذان الروائيان الشابان حصدا الجائزة العالمية للرواية العربيّة (البوكر العربيّة) International Prize for Arabic Fiction. والجدير بالذكر أنَّ هذه الجائزة هي جائزة أدبيّة عالميّة تختص بالأدب العربي أُنشِئتْ في عام 2007 في أبوظبي بدولة الإمارات العربيّة المتحدة بتمويل من هيئة أبوظبي للثقافة والسياحة، وبدعم من مؤسسة جائزة بوكر البريطانية العالميّة المرموقة. ويؤشر وجودها إلى الأفق العالميّ الثقافيّ في دولة الإمارات العربيّة المتحدة. وقبل فترة قصيرة جدًا فازت الروائية العُمانية جوخة الحارثيّ بجائزة المان بوكر العالميّة عن روايتها المترجمة إلى اللغة الإنكليزية «سيدات القمر»، والنسخة المترجمة تحمل اسم «أجرام سماوية» Celestial Bodies. وهي أول روائيّة عربيّة تفوز بهذه الجائزة العالمية المرموقة. وإذا ما تأملنا طبيعة اشتغالات هذه الروايات الثلاث نجدها مرتكزة على قضايا الهوية والغيرية (الأنا والآخر) إلى جانب الأبعاد الكونيّة الإنسانيّة في تمثيلات الشخصية الصوفيّة محيي الدين بن عربيّ في «موت صغير»، وهي أبعاد عابرة للحدود والفوارق التي تميّز بين بني البشر إلى جانب الاشتغال بالتواريخ المحلية في سردها إبداعيًا. وهنا سأستشهد بمثال رائع جدًا هو رواية «مائة عام من العزلة» التي حصد من خلالها الروائيّ الكولومبيّ جابرييل جارسيا ماركيز جائزة نوبل للآداب، وهي رواية تحتفي بسرد قرية متخيلة في أمريكا اللاتينية بأسلوب الواقعية السحرية. إنَّ الدرس الذي علّمنا إياه جابرييل غارسيا ماركيز وكذلك الروائيّ المصريّ العالمّيّ نجيب محفوظ أنَّ طريق العالمية في الرواية يبدأ بالمحلية.

إذن ثمّة تحولات كبرى جرتْ على طبيعة الاشتغالات الروائيّة الخليجيّة في الآونة الأخيرة، وهي اشتغالات تجاوزت المشهد العربيّ المعاصر باشتباكاته وإشكالياته السياسيّة والثقافيّة. ولا تقتصر هذه التحولات فقط على رواية الشباب إذ نجدها ماثلة عند روائيين من عمر أكبر؛ فعلى سبيل المثال اشتغل الروائيّ البحرينيّ فريد رمضان على تواريخ الهويات والشتات في عدة أعمال روائيّة منها ثلاثيته «التنور» و«البرزخ» و«السوافح» إلى جانب روايته الأخيرة «المحيط الإنكليزيّ». وروايات فريد رمضان تحتفي بتواريخ الجماعات السردية التي يجاوز بعضها الحدود الإقليميّة الضيقة ليكون سردًا كونيًا شموليًا.

استطاعتْ الرواية الخليجيّة فرض حضورها العربيّ؛ فقد احتفتْ بها عدد كبير من الملتقيات النقدية العربيّة الرصينة، وأخصُّ هنا الأعمال الروائية الخليجيّة المؤثِّرة سرديًا التي بذل فيها مؤلفوها جهدًا كبيرًا حتى نالت هذه الاستحقاقات النقدية الكبرى.

يحتاج الروائيّ الخليجيّ إلى تكثيف تواجده في الملتقيات الإبداعيّة العالميّة الكبرى من خلال تسويقه ثقافيًا، ويحتاج كذلك إلى جهود مؤسسات ثقافّية رسمية وخاصة تتبنى ترجمة أعمال منتقاة من روايات خليجيّة من خلال دور نشر عالمية، والتركيز الأهم هو على دور المترجم لأن بإمكان ترجمة سيئة أن تشوّه عملاً روائيًا إبداعيًا رائعًا والعكس صحيح! ونحتاج في الجامعات وخاصة في كليات الآداب في الجامعات الخليجية إلى تدريس مقرر «الكتابة الإبداعيّة» Creative Writing باللغات العربية والإنكليزية والفرنسّية لإتاحة الفرصة للطلاب للإبداع بهذه اللغات، مع ضرورة أن يكون مثل هذا المقرر المقترح بالشراكة مع جامعات عالميّة. بذلك نكون قد أسّسنا مبدعين تضافرت موهبتهم الكتابية مع الدراسة الأكاديميّة المتخصصة لمثل هذه الأنواع الأدبيّة الكبرى خاصة النوع السردي العالميّ (الرواية)، بذلك سيكون طريقنا إلى العالمية يسير في الاتجاه التأسيسيّ الصحيح. 

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news