العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

النظام الجوي للأرض في القرآن الكريم (2)

الجمعة ٢٦ يوليو ٢٠١٩ - 10:38

بقلم: د. محمد عطا مدني

تحدثنا في المقال السابق عن النظام الجوى للأرض في القرآن الكريم، وقد بدأنا بشرح علمي لآيات القرآن الكريم التي جاء فيها ذكر السحب الركامية، وكيف جاءت الأبحاث العلمية الموثقة متطابقة مع الإخبار الإلهي في آيات القرآن الكريم، التي أوضحت حقائق علمية دقيقة، لم تعرف إلا في القرن التاسع عشر، عندما بدأ علم الأرصاد الجوية في التقدم والتطور. وسوف نواصل في هذا المقال تأملنا للآية الكريمة في سورة النور، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ  يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (النور43)

قال ابن منظور في (لسان العرب): الريح تزجى سحابا، أي تسوقه سوقا رفيقا، وقال الجوهري: (زجيت الشيء تزجية إذا دفعته برفق)، وهذا ما فهمه المفسرون من الآية الكريمة. فقد قال ابن كثير: يذكر الله سبحانه وتعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء، وهذه هي المرحلة الأولى لتكوين السحب، ثم (التأليف بينه)، وهو الجمع مع الترتيب والملاءمة، وقال القرطبي: أي يجمعه عند إنشائه ليقوى ويتصل ويتكثف. ويقول الطبري: وتأليف الله سبحانه وتعالى للسحاب، أي جمعه بين متفرقها. وهذا اللفظ الذي استعمل في كتاب الله سبحانه وتعالى للدلالة على المرحلة الثانية في نظام تكوين السحب الركامي، يندرج تحته هذا المعنى العلمي الذي شاهده علماء الأرصاد من خلال أجهزتهم الدقيقة، ففي هذه المرحلة تتآلف السحب المتعددة لتكون سحابا واحدا ضخما، وبلغ التأليف بين السحب أن أصبحت كيانا واحدا، ويحدث كذلك تأليف بين أجزاء السحاب الواحد، كما أشار إلى ذلك الزمخشرى اعتمادا على معنى اللفظ القرآني: معنى تأليف الواحد أنه يكون قزعا (أي قطع من السحب الصغيرة المنفردة) فيضم بعضه إلى بعض، لتكبر السحابة شيئا فشيئا.

ولكي تتم هذه الخطوة، وهي الانتقال من مرحلة الإزجاء إلى مرحلة التأليف، يحتاج الأمر إلى وقت، ولهذا نرى أن الحرف الذي استعمل في القرآن الكريم للدلالة على العملية هو حرف العطف (ثم) الذي يدل على الترتيب مع التراخي في الزمن (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ).

وتأتى المرحلة الثالثة في القرآن الكريم واصفة ما يحدث بما يتطابق تماما مع الأبحاث العلمية الثابتة والمطابقة للواقع المشاهد، (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا)، والركم في اللغة يأتي بمعنى إلقاء الشيء بعضه فوق بعض كما قال ابن فارس وابن منظور والأصفهاني والجوهري، والتراكم يكون بالنمو الرأسي للسحاب وهو يحتاج أيضا إلى زمن. 

ثم تأتى المرحلة الرابعة في قوله تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) والودق: المطر عند جمهور المفسرين كما قال الشوكاني والقرطبي، وفسرت (مِنْ خِلَالِهِ) بأنها فرجة ومخارج القطر منه، (أي خروج حبات المطر والبرد) وهذا الذي أشارت إليه الآية الكريمة، هو ما قرره علماء الأرصاد في العصر الحديث من مراحل نزول المطر في السحاب الركامي. وهذه المرحلة تعقب المرحلة السابقة وهى مرحلة الركم، فبعد أن تثقل حبات الماء والبرد، وتعجز التيارات الهوائية الصاعدة عن حملها، فتسقط من مناطق الخلل أو الضعف في جسم السحابة، وهنا يتطابق الوصف العلمي لما يحدث داخل السحابة مع الوصف القرآني تماما، ولم يشهد بشر ما يحدث داخل السحابة، إذ إن هذه الأوصاف رصدت فقط عن طريق الأجهزة العلمية الحديثة، كما جاء وصفها في القرآن الكريم تماما.

وتأتى المرحلة الخامسة في هذه الآية المعجزة (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ)، قال أبو السعود والشوكانى والبيضانى: أي من قطع عظام (كبيرة الحجم) تشبه الجبال في العِظَم، أي قطع السحاب المحتوية على البرد، وهذا الذي فهمه المفسرون في بيان تفسير الآية الكريمة، هو ما كشف عنه العلم بعد قرون طويلة على نزول القرآن الكريم، فلا بد أن يكون السحاب في شكل جبلي شاهق الارتفاع حتى يسمح بتكوين الثلج في المناطق العليا منه، ويسمح بتكوين الماء الشديد البرودة الذي سيتحول إلى مزرعة للبرد في المناطق الوسطى من السحابة، عندما يشاء الله سبحانه وتعالى، ويتكون البرد عندما تمكث نواة ثلجية تحتوي على ماء شديد البرودة فترة كافية، وتحت هذه الظروف المواتية فإن البرد ينمو بتعدد اصطدامه مع قطرات الماء الشديدة البرودة والتي تتجمد بمجرد ملامسته، فيكبر حجم البرد ويثقل وزنه، ويكون مؤهلا للسقوط على المكان الذي قدر له أن يسقط فيه.

وتأتى المرحلة الأخيرة، وهى سقوطه المقدر من المولى جل وعلا: (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ). فكل شيء يجرى بمشيئة الله جل وعلا، وتذكر الآية الكريمة أن للبرد برقا شديد اللمعان، حيث (سنا البرق): شدة بريقه، و(يذهب بالأبصار) أي يخطف الأبصار من شدة الإضاءة. وقد اكتشفت العلوم الحديثة أن البرد يقوم بتوزيع الشحنات الكهربية في جسم السحابة أثناء صعوده وهبوطه، ثم يقوم بالتوصيل بين الشحنات الكهربية المختلفة، فيحدث تفريغا هائلا، نسمع على أثره صوت الرعد المعروف.

وعليه، فإذا تأملت الآية الكريمة، ستراها ترتب مراحل تكوين السحب خطوة خطوة مشيرة إلى التدرج الزمني.

وتتجلى أوجه إعجاز القرآن الكريم المتعددة في هذه الآية الكريمة، فمن أخبر محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الخطوات الدقيقة المرتبة زمنيا والتي كشف عنها العلم الحديث بعد أربعة عشر قرنا على نزول الإسلام؟ من أخبره بكل هذه الأسرار، وهو النبي الأمي وقد عاش في أمة أمية، لم يكن يتوافر لديها شيء من الوسائل العلمية الحديثة؟ لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى، ولذا، علينا دائما تركيز التأمل في كتاب الله المقروء، وهو القرآن الكريم، وتطبيق ذلك في كتابه المنظور، وهو الكون المشاهد، ويعتبر هذا التفكر نوعا من عبادة الله سبحانه وتعالى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news