العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإنسانية هي الرحمة

الجمعة ٢٦ يوليو ٢٠١٩ - 10:38

بقلم: أ.د. أمين عبداللطيف المليجي

عندما نتكلم عن الإنسانية فإننا نعني رحمة الإنسان بأي إنسان في أي زمان وفي أي مكان، ولا ترتبط الإنسانية بأي دين ولا عقيدة، بل هي طبيعة بشرية، بعض الناس يحملها بكل معانيها وبعض الناس يحمل بعضها وبعض الناس انتزعت من قلوبهم الإنسانية ومن ثم لا رحمة في قلوبهم، ما دعاني إلى التطرق لهذا الموضوع خبر قرأته على وسائل الإعلام بأن طالبة بكلية الطب من دولة أوكرانيا في أوروبا توفيت بسبب دولار، فشدني العنوان فقرأت تفاصيل الخبر فوجدتها مفزعة ومحزنة، لأن الطالبة ركبت حافلة أو أتوبيسا ولم يكن معها أجرة الحافلة، وكما ذكرت أختها فإنها كانت ذاهبة لرؤية أمها المريضة وكانت في عجلة من أمرها فنسيت حافظة النقود وركبت الحافلة، ثم طالبها السائق بأجرة الركوب فلم يكن معها لأنها نسيت نقودها والأجرة تقريبا دولار واحد، أَي أن الأمر ليس كبيرا وفادحا كي يتم معالجته أو التسامح فيه، وهنا تظهر حقيقة الإنسان إذا كان يحمل قلبا رحيما يعكس إنسانيته أم يحمل قلبا قاسيا يعكس انتزاع الإنسانية من قلبه، فماذا كان سيحدث لو سامح السائق الفتاة وتركها تركب وتصل إلى أمها؟ هل سيتعطل الاقتصاد وتنهار الدولة بسبب دولار واحد؟ بالطبع هذا عبس وجنون لا يمكن لعقل إنسان يحمل الرحمة أن يتقبله، حتى ولو قلنا إن السائق يطبق القانون، لا عيب في ذلك وهذا جميل، ولكن أين روح القانون؟ كم من أحداث وحالات طبقت فيها روح القانون فكانت قمة العدل، وهذا الأمر حدث معي شخصيا وعايشته بنفسي عندما كنت في دولة هولندا مشاركا في مؤتمر، وكنت لا احمل بطاقة ركوب الحافلة ولكن احمل نقودا فقط لأن فترة وجودي القصيرة لا تتطلب ان احمل بطاقة الحافلة، وحدثت معي الحالتان حالة الرحمة وحالة القسوة، وفي نفس الطريق ركبت الحافلة وأوصلني السائق بكل إنسانية ولم أدفع لأن النقود لا تقبل في الحافلة، وكانت الحافلة ستصل بي إلى منتصف الطريق، ثم نزلت وركبت حافلة أخرى وبالطبع نفس الحالة ولكن السائق لم يقبل النقود ولم يقبل ان يوصلني إلى وجهتي فنزلت من الحافلة، فكانت القسوة حاضرة ولا مكان للإنسانية، تماما كما فعل سائق الحافلة في أوكرانيا مع الطالبة، ومن حسن حظي ان الجو كان باردا فقط ولم تكن هناك ثلوج لأننا كنا في شهر أكتوبر حيث الشتاء لم يبدأ بعد ولكن هناك بردا يستدعي ان تلبس لبسا شتويا، اما في حالة الطالبة الأوكرانية فإن الجو كان شديد البرودة لأنه في الشتاء وما أدراك ما الشتاء في أوروبا خاصة أوروبا الشرقية مثل دولة أوكرانيا، فالشتاء في هولندا أو إنجلترا مثلا يمكن احتماله، ولكن في أوكرانيا لا يمكن إذا كان الأمر يتعلق بالمناطق النائية، وهذا ما حدث فقد أنزلها السياق كما نقلت الأخبار في منطقة نائية فقررت المشي في الظلام فتاهت في الغابات ووقعت في حفرة وتجمدت من البرد ولقيت مصرعها، هنا ربما يقول قائل هذا اجلها، نعم إذا كان هذا اجلها لا خلاف على ذلك، ولكن الأمر يتعلق بما كان يجب علي السائق فعله وأنه كان عليه أن يرحمها ولا يتركها في هذا الجو القارس، ويجعلها تركب الحافلة ويوصلها إلى وجهتها، وبعد ذلك إن ماتت في بيتها أو حتى في الطريق وهي في الحافلة هنا يكون قد جاء اجلها، ولا لوم عليه، هذا جانب من الإنسانية التي هي رحمة الإنسان بالإنسان، وكم من المواقف تخلى فيها الإنسان عن إنسانيته فكانت النتائج مفزعة فاجعة، وهل هناك أفزع أو أفجع من موت إنسان بلا ذنب اقترفه، وكم من مواقف تجلت فيها الإنسانية مرت علي الإنسان فكانت النتائج عظيمة ورائعة، فلا تحرموا أنفسكم من لحظة إنسانية تسعدون بها وتسعدون الآخرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news