العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (85)

الجمعة ٢٦ يوليو ٢٠١٩ - 10:37

بقلم: د. غريب جمعة

 المرحلة المصرية (64): 

شذور من خلاصة الرحلة الشرقية (تكملة):

سافر الإمام من القاهرة إلى مدينة بورسعيد ومر على جانب من فتحة (قناة) السويس التي وصلت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وقد تذكر عندما بلغ ما يجمع البحرين بيتين أرسلهما إليه صديق عمره الوفي الشيخ الطاهر بن عاشور في بطاقة يدعوه إلى الزيارة حيث حل بحضرته عالمان جليلان. يقول الشيخ ابن عاشور:

تألقت الآداب كالبدر في السحرْ... وقد لفظ البحران من موجهما الدررْ

فمالي أرى منطيقها الآن غائبًا... وفي مجمع البحرين يُفتْقَدُ الخضر؟!

كلمة حول مجمع البحرين:

ثم يقول الإمام بهذه المناسبة: شأن القرآن في سرد القصص وضربها أمثلة الاكتفاء بماله مدخل في الموعظة والاعتبار فنجده في الغالب لا يصرح بأسماء الأماكن التي تجري فيها الوقائع كقصة ملاقاة موسى للخضر - عليها السلام - فإنه لم يعين المراد بمجمع البحرين حيث لا ينبني على التعيين فائدة في الإرشاد لأن الحكمة من مساق هذه القصة: التذكير بما اشتملت عليه من المحامد والآداب كسفر العالم للازدياد في العلم وتكبده المشاق في السير ولو بعدت المسافة سنين فإن موسى عليه السلام يقول «أو أمضي حقبًا» [الكهف/60].

والإيماء إلى أن التوكل: اعتماد القلب على الله لا في عدم الأخذ بالأسباب فإنه عليه السلام وهو نبي حمل زاده معه ودل على هذا بقوله «آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا» [الكهف/62]. إلى غير ذلك من الفوائد ولكن بعض المفسرين كثيرا ما يسردون أقوالاً في أسماء ما جاء مبهمًا في القرآن كاختلافهم هنا في المراد بمجمع البحرين فقيل: هو بحر فارس والروم وقيل بحر القلزم (البحر الأحمر) وبحر الأردن وقيل مجمع البحرين عند طنجه بإفريقيا ثم يحسم الإمام الأمر فيقول: إن هذا التعيين في مثل هذا لا يعول عليه إلا إذا جاء به حديث صحيح.

ركب الإمام الباخرة التي وصلت به إلى يافا ورست بها بعض الوقت ثم استأنفت السير حتى وصلت حيفا فنزل مع رفيقين له وتجولوا بها بعض الوقت ثم ذهبوا إلى جامعها الكبير الذي يضم مشكاة يذكرون أن بها شعرات من أثار الحضرة النبوية ثم وجد بالمسجد معلقات تتحدث عن فرائض الصلاة وسننها ومستحباتها ومكروهاتها ومبطلاتها، كل معلقة على مذهب إمام من المذاهب الأربعة.

مكثت الباخرة في حيفا أربع ساعات ثم استأنفت السير لإكمال رحلتها.

ويقول الإمام: كنت اسمع كثيرًا من الناس يذكرون الصخرة بالقدس ويعتقدون أنها قائمة في الهواء ولكن بعض الأمراء بنى حذاءها جدارًا ملاصقًا لها سترا لشأنها العجيب لئلا يفتتن الناس بها. وطالما ناقش الإمام الكثير في صحة ذلك. ولما التقى بالشيخ موسى الذي يُدَرِّسُ عند فنائها حادثه بقصتها فأخبره بأنها موضوعة على بناء راسخ في الأرض وأن هذه خرافة افتراها بعض الدجالين هناك ثم أخذ خلفهم يلقونها إلى الواردين البسطاء لغرض واضح.

وصلت الباخرة إلى بيروت يوم الأربعاء، ثم استقل القطار إلى دمشق وعندما اقترب من رياضها النضرة نظم هذين البيتين.

لج القطار بنا والنار تسحبه... ما بين رائق أشجار وأنهار

ومن عجائب ماتدريه في سفر... قوم يقادون للجنات بالنار!!

(يقول كاتب هذه السطور ماذا كان سيقول رحمه الله لو زار دمشق الآن؟)

وصل القطار إلى دمشق في العاشرة مساء وأقام الإمام بأحد البيوت المعدة للغرباء حتى تعرف على محل إقامة أسرته وانتقل إليه بعد مطلع الفجر.

وما أن علم فضلاء المدينة وعلماؤها بمقدمه حتى توجهوا إلى الزيارة والتسليم وقد لاقى منهم حفاوة بالغة وفي مقدمة هؤلاء مفتي دمشق الشيخ محمد أبو الخير بن عابدين والشيخ عارف منير والشيخ حسن الأسطواني والشيخ عطاء الكسم، والشيخ السيد أديب نقيب الأشراف والأمير عبدالله حفيد الأمير عبدالقادر الجزائري والشيخ رضا مفتي آلاي والشيخ يحيى المكتبي وولده محمود والشيخ سعيد الجزائري وغيرهم كثير ممن كانوا أعلام وأعيان دمشق في ذلك الزمان!!.

زار الإمام الجامع الأموي وصلى به الجمعة وقد أعجب بما فيه من التنسيق والتنميق الذي يعز نظيره في المساجد الجامعة، وقد ألقى إمام الجامع خطبة الجمعة من دون أن يمسك ورقة في يده وهذا أثر من آثار الفصاحة العربية بمعنى: طلاقة اللسان والنطق بالحروف متمكنة من مخارجها ثم زار مقام محيي الدين بن عربي وزار ضريح الأمير عبدالقادر الجزائري بجانب هذا المقام وكان له صبابة بفتوحات ابن عربي.

ثم توجه إلى زيارة المكتبة وزار مدرسة الحديث التي أنشأها الملك الأشرف وفوض أمر تدريسها إلى الشيخ تقي الدين المعروف بابن الصلاح ثم تولى مشيختها الإمامان: النووي وتقي الدين السبكي وهي التي يقول فيها ابن السبكي:

وفي دار الحديث لطيفُ معنى... على بُسُطٍ لها أصْبُو وآوِي

عسى أن أمسَّ بِحُرِّ وجهي... مكانًا مسَّه قدم النَّوَاوِي

ويشير بالبسط في البيت إلى بساط رسم عليه الملك الأشرف اسمه وهو الذي وقف المدرسة ثم بسط ذلك البساط في أرضها.

وقد لقي بهذه المدرسة الشيخ بدر الدين وكانت جلستهما عامرة بالحديث عن الكتب الموجودة بالديار التونسية وهو يلقي درسًا في صحيح البخاري كل يوم جمعة عقب الصلاة فقط.

ثم توجه الإمام إلى زيارة المدرسة التجارية فتلقاه مديرها الشيخ مصطفى طنطاوي بالحفاوة والمبرة وشرح له نظام التعليم بالمدرسة وقد حدثه الشيخ مصطفى أن الحريق الذي حدث بدمشق في تلك السنة قد أحاط بساحة المدرسة من جهاتها الأربع ولم يتناول من مبانيها فتيلاً فقال الإمام: «وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض» [الرعد/17].

- ما قاله الإمام الغزالي عن علم الطبيعيات:

دار على بساط البحث حكم العلوم الرياضية الطبيعية في نظر الإسلام، فذكر الإمام ما حققه الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال عند بحث علم الطبيعيات ونصه:

«أما علم الطبيعيات فهو بحث عن أجسام العالم: السماء وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة كالماء والهواء والتراب والنار ومن الأجسام المركبة كالحيوان والنبات والمعادن وما تحتها وعلى أسباب تغييرها واستحالتها وامتزاجها وذلك يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة وأسباب استحالة تغييرها وكما ليس من شروط الدين إنكار علم الطب فليس من شروطه إنكار ذلك العلم إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب تهافت الفلاسفة، ثم قال وأصل جملتها أن يعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى ولا تعمل بنفسها بل هي مستعملة من جهة فاطرها فالشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره لا فعل لشيء منه بذاته عن ذاته»

فهذا التقرير من إمام عرف شعاب هذه العلوم بعد أن رسخ في العلم بمقاصد الشريعة الإسلامية يشهد شهادة عادلة بأن الإسلام يسع صدره لكل ما يندرج في حقيقة العلم ما لم يتحقق له ضرر كعلم السحر»

يقول كاتب هذه السطور، هل يفهم ذلك الجهلة والأغبياء الذين يدعون إلى الأُمية بعدما بلغوا قمة الغباء والكذب والادعاء والافتراء في فهم حديث «نحن أُمة أمية...».

دعا الشيخ رضا مفتي آلاي الإمام إلى منزله وقد وجد به مكتبة حافلة ومما اطلع عليه تأليف لطائفة الدروز يبثون فيها عقائدهم السرية وقد انساقت إليه هذه الكتب حين خرج صحبة سامي باشا لتمهيد ثورتهم ومن أصول عقائدهم: التصديق بألوهية الحاكم بأمر الله الذي قتل بمصر سنة 411هـ.

شاهد الإمام إقبال العامة واحتفالهم بدروس الوعظ فكان ذلك دافعًا له أن ألقى اثني عشر درسًا بالجامع الأموي في موضوعات متعددة تدل على رسوخ قدمه في العلم وإذا اعترضه شخص يتحلى بالصبر والأناة ويتمثل قول المتنبي:

إنما تنجح المقالة في المرء... إذا صادفت هوى في الفؤاد

ثم يرسل مقالة مقنعة في الجواب ويمضي إلى تقرير مطلب آخر

- رسالة الحرية في الإسلام:

تقدم الكلام عن هذه الرسالة في المرحلة التونسية، ولما زار الإمام ناظم باشا والي الشام لأمر يخص العائلة وكانت التحية بينهما إشارة باليد ثم تقدم السيد محمد بن شطة الجزائري ليقوم بالترجمة بينهما وكانت الفرنسية هي لغة الحديث بينهما وقال ابن شطة في التعريف بالإمام: هذا هو مؤلف رسالة «الحرية في الإسلام» وأخبره الوالي أنه قد اطلع عليها ثم نهض قائمًا ومد يده لمصافحة الإمام وشكره على تأليفها.

ثم حضر الإمام حفل وداع لبعض التلامذة الذين عزموا على الرحلة للتعليم وتحدث في هذه الحفلة كل من السيد محمد علي والأمير عارف الشهابي وغيرهم ثم ألقى أخ الإمام العلامة اللغوي الشهير محمد المكي بن الحسين قصيدة في فضل العلم جاء فيها:

ومن برح الأوطان في طلب العُلا... لدى الناظر السَّامي هو الرجل الحرُّ

بني الشعب هُبُوا للمعارفِ إنها... فَخَارُكم الأعلى فلا عَدِم الفخْر

وتلك كنوز لا من التِّبْرِ صنعُها... وهل ساد عن علم يَزِينُ الورى تِبْر

كذا الجهل وزر في الأنام وإن زهت... معارفهم يومًا فقد وضع الوزر

ثم دعي الإمام إلى احتفال بتوزيع الشهادات على التلامذة وقد حضر هذا الحفل خلق كثير من الوجهاء والفضلاء وألقى التلاميذ فيه بعض القصائد باللغات العربية والتركية والفرنسية ودارت بينهم محاورات لطيفة ومنها محاورة بين تلميذين أحدهما يتحدث بلسان القلم والآخر يفاخر بلسان السيف وبعد أن توسعوا في أطراف المحاورة وإيراد الشواهد في ذلك كقول الناطق بلسان القلم:

ولي قلم إن هززته... فما ضرني أن لا أهز المهندا

وقول المفاخر بلسان السيف:

السيف أصدق أنباء من الكتب... في حده الحد بين الجد واللعب

ثم فصل الحَكَم في المحاورة بتفضيل القلم على السيف وقال تنفيذًا للحكم: قم أيها السيف وقبل رأس القلم.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله مع هذه الشذور)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news