العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

أثر القصص الخيالية والعنيفة على الطفل (5)

الجمعة ٢٦ يوليو ٢٠١٩ - 10:36

بقلم: د. رائد أبورية

تُعد القصة من أحسن وأنجح الأساليب لمخاطبة الأطفال؛ لأنهم بفطرتهم ميَّالون إلى الاستماع إلى القصص بل والتأثر بها إيجابًا وسلبًا، ويرجع ذلك إلى طبيعة القصة التي تستحوذ على الألباب حتى مع الكبار، ولذلك نجد القرآن الكريم يحوي قصصًا من قصص الأقدمين ليعتبر بها المحدثون، وجعل القرآن الكريم فيها العبرة والعظة، ولم يسقها على سبيل التسلية، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) سورة يوسف.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يستسلم الطفل أمام أحداث القصة كأن على رأسه الطيرَ حين يسمعها، ويتأثر بمن فيها من أشخاص.

وذلك كما يقول الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق «لأن القصة في كل زمان ومكان لها أثرُها العميق في النفوس لما فيها من عنصر التشويق، وجوانب الاعتبار والاتعاظ، ولا تزال على رأس الوسائل التي دخل منها الهداة والمصلحون والقادة إلى قلوب الناس وعقولهم لكي يسلكوا الطريق القويم، ويعتنقوا الفضائل، ويجتنبوا الرذائل»(1).

وبلا شك، فإن الطفل يتأثر سلبًا وإيجابًا بالقصة التي تتلى على مسامعه؛ ولذلك استحب علماء النفس والتربية أن تكون القصص التي يسمعها الطفل هادئة وهادفة وذات مغزى، وألا تحتوي على خرافاتٍ وأساطير، وألا تشجِّع على الجريمة أو تحكي عن أشباح مخيفة.

فكم من طفل صرعه الكرَى وأصابه التعب لأن أمَّه أو جدَّته أخذت تقصُّ عليه قصة حتى ينهض من منامه مذعورًا.

وهنا لا بد أن نحذر من خطة تهدف إلى تدمير عقول ونفوس الأطفال، ويمكن أن نعطي بعض الأمثلة على ذلك، منها:

1- تقديم موسوعات كاملة من الأعضاء الجنسية وعمليات الالتقاء بين الرجل والمرأة، وتقديم الفكاهات والنكات المبتذلة المتداولة حول هذه العمليات؛ وذلك لتعوّيد الطفل منذ أيامه الباكرة على النظر إلى هذه المسألة نظرة طبيعية وبذلك تختفي تمامًا من مفاهيمه روح العِرض والشرف والكرامة والغيرة والحفاظ على ما لا يجوز كشفه من أدوات الجسم.

2ـ تقديم القصص الخيالية مثل: (طرزان) البطل الأوروبي القوي الذي يعيش في غابات إفريقيا، و(سوبرمان)، و(جيمس بوند) رجل الإجرام والمؤامرات. 

والخطر من مثل هذه القصص والأفلام أنها كُتبت على نحوٍ يرمي إلى تحقير الأمم في نفوس أبنائها وتعظيم الأمم الأوروبية الغازية.

ولا شك أن كل هذه المحاولات جميعها تحُول بيننا وبين تشكيل أطفالنا تشكيلا إسلاميا. 

إذن، فالهدف من هذه الخطة هو:

1ـ تعويد الأطفال على استعذاب العُرْي، وانحلال الشخصية، والتحليق في سماء الخيالية، وقتل روح الواقعية في الطفل، ومن ثم في فترة الشباب.

2ـ كما أن مثل هذه القصص تربي روح العدوانية في الأطفال؛ ما يؤثر على صحتهم البدنية.

3ـ وتهدف كذلك من وراء ذلك إلى تحقير شأن العرب، ورفع قدر الغرب، وغرس هيبتهم في نفوس النشء.

4ـ إبعاد الطفل عن ينابيع دينه الصافية، والحيلولة دون استقائه تعاليمه منها.

* من سبل العلاج:

وبالإمكان أن نضع علاجًا لهذه الأمراض، وذلك يكمن في الآتي:

1ـ عدم ترك الأطفال أمام التلفاز أكثر من ساعة في اليوم على أقصى تقدير حتى لا يتعلقوا به وبما فيه من قصص ومشاهد، خاصة أمام ما تنعدم منه الفائدة.

2ـ تقديم الأدب الإسلامي للطفل المسلم؛ ذلك الأدب القائم على تقديم البطولة الإسلامية إلى الطفل وتعظيمها في عينه.

3ـ تدريس الطفل مفهوم رسالة الإنسان في الإسلام ومهمته كخليفة لله في أرضه، والنظر إلى الحياة نظرة جادة بعين الواقع بعيدًا عن الأساطير والخرافات والخيالات.

4ـ أن تُقدَّم هذه القصص باللغة العربية لربطه بلغته وأصالته.

ويعتقد الباحث أن المجلة قد قامت بواجبها خير قيام في هذا الشأن، فقد دَبّجت عدةَ مقالات عن مشاكل الطفل المسلم عقائديا، وإمداده بالمناعة الإيمانية في سنٍّ مبكرة، وتعويده الأخلاق الفاضلة منذ صغره؛ لأن الخير عادة كما أن الشر عادة.

وصدق أبو العلاء المعري حين قال:

وينشأ ناشئ الفتيان منا ** على ما كان عوده أبوه

يقول فيلسوف الإسلام ابن سينا في كتابه (السياسة (ج1/ صـ101): 

«إذا فُطم الصبي عن الرضاع بُدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق، فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقه ولا عنه نزوعا».

ويوصي ابن قيم الجوزية في تحفة المودود بتجنيب الصبي - إذا عقل - المجالسَ التي يكون فيها لهو أو باطل أو غناء فاحش أو كلام بذيء أو بدع ضالة؛ لأن ما يعلق بسمعه يعسر مفارقته بعد أن يكبر ويصعب على وليه استنقاذه منه، خاصة أن تغيير العوائد من أصعب الأمور؛ إذ إن صاحبه يحتاج إلى استجداد طبيعة ثانية، والخروج عن حكم الطبيعة عَسِرٌ جدًا.

1)) د. محمد سيد طنطاوي: القصة في القرآن الكريم، ط1 نهضة مصر 1996م، (1/3).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news