العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

دعائم النجاح (27).. الإيمان بالقضاء والقدر والصحة النفسية للإنسان

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢٦ يوليو ٢٠١٩ - 10:28

الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من المقومات المميزة للشخصية الإسلامية فعن حديث رواه مسلم قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ولأهمية الإيمان بالقدر أعاد صلى الله عليه وسلم الفعل (تؤمن) فقال (وتؤمن بالقدر خيره وشره).

- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه للأربعين النووية قال: الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:

الأول: أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً قال تعالى: ( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة 282).

- وخصوص العلم بالغيب وتفصيل ذلك قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) (الأنعام 59)، وإذا حقق العبد الإيمان بعلم الله، وأنه جل وعلا محيط بكل شيء أوجب ذلك الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما عنده جل وعلا، لأن كل حركة يقوم بها فالله (سبحانه وتعالى) يعلمها.

- والثاني: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، قال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس 12) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لما خلق العلم قال له: (اكتب، قال رب وماذا اكتب؟ قال اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) أخرجه أحمد والترمذي.

- ثالثًا: الإيمان بأن كل ما حدث ويحدث في الكون هو بمشيئة الله، فلا يخرج شيء من مشيئته أبدًا، ولهذا أجمع المسلمون على أن هذه الكلمة (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) فأي شيء يحدث هو بمشيئة الله.

- رابعًا: الإيمان بأن الله عز وجل خلق كل شيء (وقدر كل شيء) كما قال تعالى(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان 2)، فكل شيء في السماوات والأرض والبحار والأنهار (والصحاري والوديان والكواكب والشمس والقمر والحيوان والنبات والكائنات الحية الدقيقة) الكل مخلوق لله عز وجل، وحركات الإنسان مخلوقة لله، وأفعال العباد مخلوقة لرب العباد عز وجل وإن كانت باختيار العبد وإرادته (في الحركات الإرادية) فإنها مخلوقة لله وذلك لأن أفعال العبادة ناشئة عن إرادة جازمة وقدرة تامة وخالق القدر والإرادة هو الله وقد كلف الله العباد بالعمل فقال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة 105)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) (لقمان 8)، وقال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَل) (الكهف 7).

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا) (الكهف 30).

- وعندما يؤمن المسلم بقضاء الله وقدره خيره وشره فإنه يعمل في الدنيا باجتهاد وإتقان وإحسان وهو مطمئن النفس قرير العين راضٍ بما يتحصل عليه نتيجة عمله وجده واجتهاده، وإذا وقع عليه قدر الله بالمرض أو الفقر أو موت الأحبة أو فقدان المال، فإنه يتقبل ذلك برضا نفسي وبذلك يتوافق مع نفسه ومع المحيطين به، ولا يحسد من هو أعلى منه في الدنيا، ولا يتكبر على من هو أقل منه مالاً وولدًا وجاهًا، كما قال صاحب المؤمن لصحاب الجنتين(إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَدًا، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ) (الكهف 39-40)، وقال ذو القرنين لمن أقل منه في العلم والجاه (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا )(الكهف 95).

- والمسلم عندما يؤمن بقضاء الله وقدره يحسن كما أحسن الله إليه، ولذلك قال العاملون للذين يريدون الحياة الدنيا عندما قالوا (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص 79) كما قال تعالى، قال العاملون المؤمنون بقضاء الله وقدره لهم: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص 80).

- وعقب الله تعالى على هذا الموقف المفتن للجاهلين والمثيب للمؤمنين فقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83) المتقون الراضون برزق الله لهم وقدره في المال والجاه والعلم والسلطان والأنصار فرضا المرء بما ناله من متاعب هذه الحياة الدنيا أساس السعادة فيها، والرضا يدعو إلى شكر الله على ما وهب قليلاً كان أو كثيرًا، وفق المنهاج النبوي (انظروا إلى من هم أسفل منكم، ولا تنظروا إلى ما هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه مسلم، ولفظ البخاري: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه فمن فضل عليه) رواه البخاري.

- فقدان الرضا مؤلم للنفس موقع لها في الهم والحزن (الأدب النبوي، محمد عبدالعزيز الخولي (ص28) مذك فيها نار الحسد (أي موقدها ومسعرها، من هنا كانت الأمراض النفسية والعصبية والبدنية الشاذة، والاجتماعية القاتلة أقل انتشارًا بين المؤمنين بقضاء الله وقدره والانتحار في صفوفهم معدوم ونادر الحدوث في المجتمعات المسلمة الراضية بقضاء الله وقدره والحمدلله، بينما هو أكبر نسبة في الدول العَلمانية (بفتح العين) المادية التي حقق الفرد فيها كل مطالبه الدنيوية وأشبع كل رغباته وشهواته، ولكنه غير مطمئن القلب، قلق، غير نافع بما هو فيه من رغد العيش، فيتخلصون من هذا الصراع النفسي المؤلم بالانتحار والتخلص من الحياة، وقد يدفعهم إلى عدم الرضا إلى الحقد والحسد والقتل الشاذ والتنافس غير الشريف في الحياة الدنيا وللأسف انتقلت هذه الأمراض إلى بلادنا الحديثة بسبب التطلعات الأغلى من القدرات، والتعليم المادي الفاسد المقلد للغرب المادي العَلماني  والمؤمن على غير ذلك تمامًا، لأنه يؤمن بقضاء الله وقدره، وهو راض به كل الرضا. الشخصية الإسلامية في السيرة النبوية، نظمي خليل أبوالعطا موسى، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة: مصر (ط1) (ص105) (2013م).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news