العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

دعاؤه مقبول!

العبد المبتلى هو الإنسان في أحسن حالاته، فهو قريب من مولاه سبحانه وتعالى، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله تعالى) في إحدى خواطره القرآنية: «نحن في الرخاء نعيش مع النعمة، وأما في البلاء فنعيش مع المنعم سبحانه».

والسؤال: لماذا يكون العبد المبتلى في البلاء مع الله تعالى؟ والجواب: هو أنه حين يصبح العبد عاجزًا بعد أن كان قادرًا، ومريضًا بعد أن كان صحيحًا، فإنه في هذه الأحوال يزهد فيما عنده من متع الدنيا، فلا يستسيغ الطعام والشراب، ويستثقل صحبة الأحباب، وبالأخص أولاده وأحفاده، وبعد أن كان يقضي الساعات الطويلة في صحبتهم صار يمل هذه الصحبة، ويطلب من زوجته أن تعتذر للكبار، وأن تصرف عنه الصغار، وكأن هذا الإنسان أُعيدت صياغته من جديد، فصار لا يصلح لما كان يصلح له من قبل، وأصبح يؤثر الوحدة وسماع القرآن، والأحاديث الدينية التي تحض على الصبر، وتبين أجر الصابرين، وما لهم عند الله تعالى من الأجر العظيم إذا هم صبروا واحتسبوا.

لقد كان هذا الإنسان قبل أن ينزل به البلاء يقضي الساعات الطويلة مع إخوانه خارج البيت، فإذا عاد متأخرًا سألته زوجته عن سبب تأخره، فكان يقول لها: لم أشعر بالوقت، وبعد البلاء أصبح قليل الخروج، وكان يعتذر عن عدم الاستجابة لدعواة أصدقائه ويتعلل لهم بشتى العلل، والأعذار.

لكل هذه الأسباب يكون العبد في بلائه مجاب الدعاء، وهو في حالة استثنائية، فيكون دعاؤه مجابا، ورجاؤه مقبولا، لأن الله تعالى الرحمن الرحيم يعوضه خيرًا، فتكون صحبته مباركة. من أجل هذا، على الزائر له أن يستثمر هذه الحالة الطارئة التي يمر بها العبد المبتلى ويسأله الدعاء له ولمن يحب.

وهناك من أصحاب البلاء من يحسن الظن بالله تعالى، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه العبد مع مولاه سبحانه وتعالى، فيرى العبد في البلاء دليلاً على المحبة، فالله تعالى إذا أحب عبدًا ابتلاه ليسمع تضرعه، بل إن من تجليات الرحمن الرحيم أنه يمس عبده بشيء من البلاء حتى تصفو علاقته بمولاه سبحانه من الأكدار، ويتجدد يقينه بما له عند مولاه سبحانه من فضل وعطاء حينها يسمو هذا العبد بصدق إيمانه حتى يبلغ درجة الصديقين الأبرار الذين جعلهم الله تعالى من عباده الذين أنعم عليهم، وجعلهم أعلامًا يدلون الناس على صراط مولاهم المستقيم. عن أنس(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» رواه الترمذي وقال:حديث حسن.

لقد أكرمك الله تعالى، وأعلى من منزلتك حين اصطفاك ربك سبحانه لتكون وسيلة إيضاح لخلقه، فيجري على يديك سننه وبلاءاته وما قدَّره عليك، فتصبر وترضى وتحتسب، فيتخذك الناس أسوة لهم يرتسمون خطاك، ويسيرون على نهجك، وتشتهر بين الناس عنوانًا على الصبر والاحتساب، فتهون بذلك مصائبهم، ويجدون في البلاء حلاوة الإيمان فيعينهم ذلك على الصبر والرضا.

لقد اتخذ الله تعالى من أصفيائه من الأنبياء والمرسلين وسائل إيضاح من أمثال أنبياء الله: نوح، وإبراهيم، وأيوب، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم، ولو كان البلاء لا ينزل إلا بالعصاة فقط لما أنزله الله تعالى بالأنبياء والمرسلين، ولكن كما قلنا إن الله تعالى أراد أن يسلي عباده المؤمنين حين يقول لهم إنه لم يستثن حتى  أنبياءه من سننه، وقضائه وقدره، فيكون في ذلك سلوى لهم، كما أنه يكون مدعاة لصبرهم أو تصبرهم.

إذن، فهناك أوجه كثيرة للبلاء، والعقوبة على الذنب واحد منها، فقد يكون البلاء من أجل التمحيص، وإظهار درجة الإيمان، وقد يكون للتطهير من الذنوب والمعاصي، وقد يكون لرفع الدرجات عند الله تعالى، وهناك أوجه لا حصر لها، وأسباب عديدة لنزول البلاء بالعبد، ويكفي المبتلى شرفًا، ورفعة أن يكون في حال بلائه قريبًا من مولاه سبحانه، مقبول الرجاء عنده، مجاب الدعاء حين يدعوه.

ومعلوم أن العبد المبتلى ترق مشاعره، وتصفو سريرته، ويخشع قلبه، وتستجيب جوارحه لأوامر مولاه سبحانه ونواهيه، فيجده حيث أمره وناداه، ويفتقده حيث زجره ونهاه.

يرضى منه مولاه بالقليل من العمل، ويكافئه بالكثير من الأجر، يستحي منه في أن يطلب منه ما يزيد على الفرائض إذا ضيق عليه في الرزق أو العطاء.

هذا هو حال المبتلى مع مولاه سبحانه وتعالى يرضى بالبلاء، ويرضى بالجزاء، ويرى الحكمة في كل بلاء يقع به، وهو دائم التفاؤل: لا يرى إلا النصف الملآن من الكأس، بل قد يرى الكأس كلها ملآنة حين يكون شديد الثقة بما ادخره له مولاه سبحانه عنده من خير وحسن الثواب.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news