العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

مقالات

دروس من حياة عالم اقتصادي ديفيد ريكاردو

بقلم: د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

ديفيد ريكاردو من أهم مفكري المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد، يعرفه العالم والاقتصاديون خاصة، خدم الإنسانية بكتاباته ومؤلفاته ونظرياته العديدة. أحد أهم مؤلفاته «مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب»، وهو كتاب لا يمكن للمهتمين والدارسين للعلوم الاقتصادية تجاهله أو تجاوزه. يعرف ريكاردو نفسه بأنه اقتصادي سياسي ليبرالي مدافع عن حرية العمل والتجارة والتبادل الحر بين الأمم. 

ولد في 18 أبريل 1772 في لندن لأسرة يهودية بورجوازية من أصول إيطالية هاجرت إلى هولندا ثم استقرت في إنجلترا. بدأ العمل في سن الـ15 بمعية والده الذي كان يعمل تاجرا للاسهم في بورصة لندن.

تزوج وهو في الـ21 من العمر بفتاة تنتمي إلى الطائفة المسيحية، ولأجلها ترك الديانة اليهودية واعتنق المسيحية، الأمر الذي أغضب والداه، حيث طرد من العائلة والعمل وعاش بعدها مستقلا بعيدًا عن أهله . واصل العمل لحسابه الخاص في تجارة الأسهم، واكتسب خبرة واسعة في العمل المصرفي وسوق الاوراق المالية وفهم دورهما في التنمية الاقتصادية. استطاع أن يحقق ثروة هائلة وهو في السادسة والعشرين من عمره مكنته بعد ذلك من التفرغ والاطلاع. استثمر تلك الثروة في شراء أصول طويلة الأجل لها عائد مالي مستقر كالأراضي والسندات، فأصبح من ملاك العقارات الأثرياء. وعلى الرغم من نجاحه المبهر في عالم المال فإنه في عام 1814 في عمر الـ42 تقاعد من العمل وتفرغ لدراسة علم الاقتصاد ونظرياته ومن ثم الإنتاج الفكري والمعرفي.

توسع في القراءة والكتابة والتأليف وحضور الفعاليات الاقتصادية. في عام 1799 كانت بدايته مع الاقتصاد عندما قرأ كتاب «ثروة الأمم» للمفكر الاقتصادي آدم سميث، شعر بالميل لعلم الاقتصاد وتأثر كثيرا بالأفكار الاقتصادية الليبرالية لهذا المفكر.

تعرف على اقتصاديين على مستوى عالٍ من الفكر والمعرفة مثل جيمس ميل وتوماس مالتوس بالإضافة إلى الفيلسوف ومؤسس مذهب النفعية جيريمي بنتام، هؤلاء المفكرون عاصروا ريكاردو في تطوره الفكري وأسهموا في بناء وتشكيل فكره الاقتصادي. 

اصطدم ريكاردو في بداية حياته الفكرية بنخبة حاكمة جامدة لا تميل إلى التغيير، ولا تقبل الانتقاد وتهمش معارضيها، ما أجبره على دخول معترك السياسة، حيث قام في سنة 1819 بشراء مقعد له في البرلمان الانجليزي (كما جرت العادة حينئذٍ)، وظل في البرلمان حتى وفاته في 11 سبتمبر عام 1823 عن عمر ناهز الـ51 عامًا. فرض نفسه داخل قبة البرلمان البريطاني من خلال شجاعته وإصراره على ابداء الرأي وتغيير القوانين غير المناسبة. الحروب النابليونية منحته فرصة جيدة للتعبير عن آرائه ونشر أفكاره الاقتصادية، لم يتردد في استغلالها فأخذ ينشر كتاباته في صحيفة «مورنينغ كرونيكل» لغرض تغيير المفاهيم وإحداث ثورة في الحياة الاقتصادية. أدخل نظريات عدة مثل نظرية «الميزات النسبية» في التجارة الدولية، ونظرية القيمة، ونظرية السكان، ونظرية الأجور، وقانون الإنتاجية المتناقصة، كما شرح قوانين توزيع الدخل القومي في النظام الرأسمالي. استخدم الكتابة كوسيلة ضغط وتثقيف. كتب في أحد مقالاته أن المشاكل المالية والاقتصادية التي تواجه إنجلترا من تضخم وانخفاض قيمة العملة وركود وإيقاف تحويل العملة الورقية إلى الذهب تعود إلى السلوكيات الخاطئة لدى متخذي القرار في بنك إنجلترا الذي تعمد إصدار العملة الورقية بشكل مفرط إبان فترة الحرب. احترمت الدولة أفكاره وأجبرت السلطة النقدية على تبنيها فقامت بإعادة تنظيم بنك إنجلترا، وكان ذلك بداية لوضع القاعدة العلمية للنظرية الكمية للنقود ولفهم أدوات ومؤشرات السياسة النقدية.

من انتقاداته اللاذعة للنظام الاقتصادي أنه تحدث في احدى كتاباته «أن ملاك الأراضي يتقاضون أثمانًا عالية جدا وهذا يعد استغلالاً وظلما، ليس للعامل بل لرب العمل الذي يكون مضطرًا إلى رفع أجور العمال، إلا أنه وبحكم المنافسة لا يستطيع أن يرفع من أسعار منتجاته». وقال «إن هذا دليل على أن الريع وليس الربح هو سبب رئيسي للتفاوت في المجتمع والأزمات الاقتصادية. ويقصد بالريع المكسب الذي يحصل عليه مالك الأرض، بينما الربح هو مكسب استثماري رأسمالي، فالأرباح في الأجل الطويل تميل إلى الإنخفاض وقد تصل إلى الصفر، ويبقى الفائض الاقتصادي الكبير في يد ملاك الأراضي والعقارات. اقتنعت الحكومة الرأسمالية في إنجلترا بهذا الرأي فألغت كل القوانين التي سنتها للغلال، وسمحت باستيراد القمح والدقيق من الخارج، الأمر الذي أدى إلى هبوط أرباح الملاك الزراعيين وكسدت منتجاتهم، كما انخفضت بشكل كبير الكلفة في القطاع الصناعي». هكذا كان ريكاردو أحد أهم مؤسسي علم الاقتصاد السياسي الحديث، جمع المال ليكون مستقلا وتفرغ للعلم وفرض علمه وفكره ولم تستطع الدولة إلا أن تتبنى نظرياته.

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news