العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

عوامل فشل الإسلام السياسي

الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ - 10:30

فشلت حركات وجماعات الإسلام السياسي في تحقيق الوعود  الطوباوية التي رفعتها على مدى العقود الماضية وقد تجلى ذلك الفشل في سقوطهم الذريع في أول تجربة لهم في الحكم. تم تصفية تنظيمات الإسلام السياسي في أغلب الدول العربية كما أنها لم تحصد سوى الفشل الذريع. 

دخلت الجزائر في أتون الحرب الأهلية الدامية في فترة التسعينيات من القرن العشرين وهي التي تعرف باسم «العشرية السوداء» وقد كانت تلك الفترة العصيبة مقدمة لما سيحدث للحركات الإسلامية في الفترة اللاحقة، وخاصة في فترة ما بعد ما يسمى «الربيع العربي». ففي مصر حكم الإخوان البلاد فترة قصيرة وكانت فترة حكمهم كارثة حقيقية.

أما في سوريا والعراق واليمن فإن القوى الإسلامية لم تلعب سوى دور هامشي في الحركات المنادية بالديمقراطية وقد تراجع حضورها في المشهد في خضم المعركة التي تخوضها أكثر من دولة في المنطقة ضد التيارات الإسلامية العنيفة والمتطرفة. أما في المغرب والأردن والكويت فإن الأحزاب الإسلامية قد حققت بعض النجاحات في الانتخابات البرلمانية، ما جعلها تتحول إلى قوى سياسية غير عنيفة الأمر الذي سهل عملية تعايشها مع الأنظمة السياسية الحاكمة. 

يتجلى فشل نموذج الإسلام السياسي في العالم العربي في ثلاث مستويات مختلفة وهي كالتالي: 

1- فشلت تيارات الإسلام السياسي في تصور وإيجاد الحلول الاجتماعية والاقتصادية اللازمة التي تتجاوز وهم الشعارات الفضفاضة التي ترفعها هذه الحركات. توظف حركات الإسلام السياسي، ومن ضمنها جماعة الاخوان المسلمين، شعار «الإسلام هو الحل» واتخذت من هذا الشعار بديلا عن تنمية روح الخلق والابتكار واقتراح السياسات العامة التي ترمي إلى معالجة المشاكل التي لم تفلح الأنظمة القائمة في تسويتها، مثل تفاقم معضلة الفقر وارتفاع معدلات البطالة وتآكل النظم التعليمية، إضافة إلى استشراء الفساد الذي بات ينخر كيان الدول والمجتمعات. 

2- على عكس ما يروجون له، فإن تيارات الإسلام السياسي لا تحمل أي نظرية خاصة بها للإنتاج كما أنها لا تحمل أي رؤية تتعلق بالدور الذي يجب أن تلعبه الدولة في إعادة هيكلة النظام الاقتصادي القائم أو تطوير منوال التنمية حتى يرتقي إلى مستوى التحديات الاجتماعية الراهنة. 

3- فشلت حركات وتيارات الإسلام السياسي أيضا في بلورة سياسات تكرس الشراكة وتسعى لنشر الديمقراطية. إن القول بأن هذه الحركات والتيارات الإسلامية السياسية لم تحصل على فرصتها حتى تمارس الحكم وتوضع على المحك وتجرب لا يعدو أن يكون قولا واهيا. فقد أظهر الإخوان المسلمون في مصر في أول تجربة لهم في الحكم أنهم يهتمون بالتغلغل في مفاصل الدولة والتمكين والهيمنة أكثر ما يهتمون بتكريس التعددية كما أنهم يناصبون العداء للعلمانيين وللدولة المدنية ومؤسساتها، ما أثار مخاوف مختلف الأطياف المجتمعية. فالإخوان المسلمون يحملون مشروعا وأجندة خاصة بهم كما أنهم يحملون تصورا لدولة غير مدنية.

4- لقد أثبت الإخوان المسلمون في مختلف أنحاء العالم أنهم لا يختلفون في شيء عن بقية التيارات والأحزاب وأنهم لا يترددون في ممارسة ذات الألاعيب السياسية. عندما تسنى لهم إنشاء تنظيمات معارضة قانونية تحالف الإخوان المسلمون مع تنظيمات سياسية شمولية أخرى، ما شوه سمعتهم كتنظيم معارض للسلطة. 

عندما تولى الإخوان المسلمون السلطة في مصر عقب سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك عملوا على إقصاء بقية اللاعبين السياسيين الآخرين كما تجنبوا الدخول معهم في أي نقاشات. 

لعل ما زاد في تعقيد وضعية وسمعة جماعة الإخوان المسلمين أنهم انخرطوا في لعبة المحاور وأصبحوا أداة في التجاذبات والصراعات الجيوسياسية الإقليمية إضافة إلى الصراعات الطائفية التي تستعر في العالم العربي. هذا ما يفند مزاعم الإخوان المسلمين الذين يدعون أنه ينأون بأنفسهم عن مثل هذه الصراعات التي تدخل في تركة حداثة ما بعد الحقبة الاستعمارية وأنهم يدافعون عن رؤية صفة للاستقلال والرخاء. 

لقد سقطت الكثير من تلك الشعارات التي رفعت خلال تلك الموجة التي تعرف بما يسمى الربيع العربي. لقد ركبت تيارات الإسلام السياسي تلك الموجة التي اجتاحت عدة بلدان عربية واستطاعت أن تصل إلى الحكم كما حدث في مصر غير أنها لم ترتق إلى تلك الشعارات التي كانت ترددها كما أنها فشلت في لعب دور المنقذ. 

لقد فشلت تيارات الإسلام السياسي في مشروعها الطوباوي الذي كانت تبشر به كما أن الطوباوية الأخرى، المتمثلة في ما يسمى الربيع العربي، قد منيت أيضا بالفشل الذريع. فقد أدركت قطاعات واسعة من الشعوب العربية أن تيارات الإسلام السياسي توظف الخطاب الديني من أجل الوصول إلى السلطة. 

لا شك أن هذا الرفض الشعبي للتوظيف الديني يعكس أيضا تآكل واهتراء الثورة الخمينية الإيرانية التي استنفدت بدورها شعاراتها بعد أن أفضت إلى إقامة دولة شمولية ثيوقراطية. هذا الرفض الشعبي يعكس أيضا نهاية «مجد عصر الإسلام السياسي» الذي لم يعمر طويلا لأن تيارات الإسلام السياسي رفعت شعارات منفصلة عن الوقع واستخدمتها لدغدغة المشاعر، مثلما فعل الإخوان المسلمون. 

هكذا لم تستطع تيارات وحركات الإسلام السياسي الوصول إلى السلطة، وحتى إن وصلت إليها فإنها لم تستطع الحفاظ عليها وإثبات جدارتها بها، كما فقدت تيارات الإسلام السياسي أيضا الكثير من سمعتها لأنها مارست بدورها الألاعيب السياسية التي اقترنت بالأحزاب السياسية كما أنها منيت بفشل ذريع في تحديد خياراتها الاقتصادية ولم تستطع أن تكون في مستوى التحديات الاجتماعية التي تواجه مجتمعاتها العربية. 

يذكر أن تيارات الإسلام السياسي قد سجلت صعودا كبيرا وحققت الانتشار وتنامي نفوذها على وجه الخصوص خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مستغلة في ذلك حالة الفراغ وانهيار الفكر القومي العربي الناصري كأيديولوجية سياسية واجتماعية وذلك عقب هزيمة العرب في حرب الأيام الستة في يونيو 1967. فقد ألحقت تلك النكسة الكبيرة ضربة موجعة للمثل والطموحات القومية العربية. جاءت بعد ذلك الثورة الخمينية التي أسقطت شاه إيران سنة 1979 وتعطي دفعة قوية لتيارات الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين. 

يقول أحد الأكاديميين: «بدأ تأثير فكر الإخوان المسلمين يتوسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية. من بين العوامل الداخلية الأزمةُ الاجتماعية التي زادت من تنقل السكان إلى الريف وظهور الأحياء المهمشة التي ستصبح خزانًا لتأطير الشباب. نضيف إلى ذلك تراجع تأثير الفكر القومي العربي الذي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنمو التيار الإسلامي. أما العامل الحاسم في انتشار الحركات الإسلامية، بحسب رأيي، فيتمثل في تأثيرات الثورة الإيرانية سنة 1979. فقد أعطت مثالاً على أنّ يوتوبيا الثورة الإسلامية يمكن أن يتحقق وينتصر على الغرب» - غير أن هذا النموذج الإيراني قد سقطت شعاراته وأرسى دولة ثيوقراطية قامعة للحريات. 

عكف المفكر والفيلسوف السوري طيب تيزيني على تحليل أسباب فشل تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي على مدار العقود الماضية وهو يعتبر أن الفكر الذي تطرحه تيارات الإسلام السياسي قد تبدل عدة مرات على مدار العقود الماضية، ورغم ذلك فقد فشل كما حاول هذا المشروع خلال هذه الفترة تبديل وتعديل أفكاره بما يعتقد أنه نوع من التطوير، ولكنه لم يستطع حتى الآن أن يحقق أي انتصار على الرغم من أنه كان مشروعًا ذا هيمنة واسعة في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث كانت هذه الفترة تكتسي أهمية خاصة لنهوض الفكر الإسلامي ومعه الفكر المدني في الوقت نفسه، وفيما تطور الثاني كثيرًا، فشل الأول في تطوير نفسه. 

أما اليوم فقد اصطدمت تيارات الإسلام السياسي في العديد من الدول العربية بالواقع ولم تستطع تحقيق وعودها الطوباوية التي روجت لها ووظفت فيها الخطاب الديني كما أنها فشلت في الارتقاء إلى مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول العربية. 

لوموند دبلوماتيك 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news