العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات: في القراءة الطباقية وعمق التأويلات!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ - 11:07

كان إدوارد سعيد أول من دعا إلى «القراءة الطباقية» التي استوحاها من التوزيع الموسيقي الهارموني؛ ويقصد به قراءة النص وفي الوقت نفسه قراءة النصوص الأخرى التي تتداخل معه بطريقة ما. وتقود هذه «القراءة الطباقية» إلى مقاربات عميقة للنصوص بعيدًا عن التناول الجزئيّ المتشظي الذي لا يفيد في تحليل النصوص الأدبيّة والثقافيّة. لقد أخضع إدوارد سعيد أوبرا «عايدة» للإيطاليّ فيردي إلى هذه القراءة الطباقيّة، والمعروف أنَّ فيردي أنجز تأليف هذه الأوبرا في سنة واحدة فقط (هي أوائل 1870-1871م) بأمر من الخديو إسماعيل بمناسبة الاحتفال بافتتاح قناة السويس، وقد منحه الخديو آنذاك مبلغًا قدره مائة وخمسون ألف جنيه مصري في وقت كان فيه الخديو يطمح إلى أن يصبح إمبراطورًا على إفريقيا وأن تصبح مصر قطعة من أوروبا. وكان الخديو إسماعيل يجتهد في جعل القاهرة نسخة مطابقة لباريس آنذاك حتى في التخطيط العمراني. ربط إدوارد سعيد موسيقى «عايدة» لفيردي بطبيعة سياق الإمبراطورية الأوروبية (الإمبريالية) آنذاك، وقرأ نص فيردي في الوقت نفسه مع نصوص أخرى كولونيالية مثل الكتاب الضخم الذي أنجزه بعض علماء الحملة الفرنسية على مصر وهو كتاب «وصف مصر» بأجزائه المتعددة، من تحرير جي دي شابرول. وقد اشتمل كتاب إدوارد سعيد «الثقافة والإمبريالية» على صفحات عدة اشتغلت على تحليل هذه الأوبرا التي رغم إحالاتها التاريخية إلا أنَّ فيردي جرَّدها من هذا العمق التاريخيّ للروح المصرية الحقيقية، وجاءت موسيقاه منتظمة في إطار خطاب كولونياليّ شامل ينظر فقط إلى مركزية المستعمِر ويجعل (المستعمَر) في إطار الهامش فقط. وهنا أستخدم كلمة (الكولونيالية) التي تشتغل أساسًا على الخطابات؛ أي ما أنشأه الاستعمارية من أرشيف وثائقي وتمثيلات ثقافية وكتب ومفكرين يرسخون بطريقة ما مفاهيمها المركزية الكبرى.

دعا المنظر الفرنسيّ من أصل بلغاريّ تزفيتين تودوروف قبيل سنوات من وفاته في كتاب (الأدب في خطر) إلى ضرورة الانتباه خاصة في المناهج الثانوية والجامعية إلى توثيق علاقة الأدب بالحياة. أن يقرأ الطالب نصوص الأدب من القصة القصيرة والرواية والمسرحية والقصيدة الشعرية، وأن يتمثّل وجودها في حياته وفي حياة من سواه. أن يكون الأدب الحقيقيّ بقيمه الإنسانية الكبرى مشكِّلا لحياته. ولذلك دعا إلى ضرورة الانتباه إلى المناهج الثقافيّة في تحليل النصوص الأدبية؛ فالنص جماليّ وثقافيّ في الآن نفسه. وإذا تحقَّق مفهوم «القراءة الطباقيّة» الذي دعا إليه إدوارد سعيد منذ سنوات عدة فمعنى ذلك أننَّا نشتغل على مجموعة من النصوص الثقافيّة على أنها خطاب واحد رغم تنويعاته المختلفة. وتتجاور في هذه القراءة قراءة النصوص الأدبية بالأرشيف التاريخيّ والمتاحف بالموسيقى بالأنثروبولوجيا وغيرها. ومعنى ذلك أنَّنا سننظر إلى الصورة في إطارها الأكبر الفلسفيّ الناظم وسنبتعد عن الرؤية المتشظية المبعثرة التي لن تفيدنا مطلقًا. والحاجة إلى القراءة الطباقية الثقافية مفيدة حتى للإنسان العادي في حياته من خلال ربط العنصر الواحد بالعناصر الأخرى التي تنتظم بطريقة ما في سياقه، ومن ثم الوصول إلى المعنى الأكبر الناظم لأيّ أمر يعترضه في حياته.

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين. 

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news