العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (84)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١٩ يوليو ٢٠١٩ - 11:07

 المرحلة المصرية (63): 

شذور من خلاصة الرحلة الشرقية (تكملة):

تفسير قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)

والآن بعد الانتهاء من الحديث عن البدعة والسنة نعود إلى درس التفسير الذي وعد الإمام به التلامذة عند زيارته للجامع الأزهر وهو تفسير قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة/22). افتتح الإمام درسه بتلاوة أحد الطلاب بصوت جهير حيث رتلها ترتيلاً. وليسمح لي أخي القارئ أن أقول: لننتبه جيدًا إلى ما فتح الله به على الرجل من فيض فضله تبارك وتعالى.

بدأ درسه بذكر المناسبة بين هذه الآية وما قبلها. ثم انتقل إلى بيان قول القاضي البيضاوي في تفسير الآية: «لا يستقيم للمؤمنين أن ينفروا جميعًا لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم أن يتثبطوا جميعًا فإنه يخل بأمر المعاش» وبيان ذلك: أما خطر انصراف الناس قاطبة إلى اجتناء ثمرة العلوم وإخلاله بمطالب حياتهم فلأن الإنسان يفتقر في تحصيل معاشه ووسائل بقائه إلى مساعدة أبناء جنسه ولا يستطيع أحد أن يقوم وحده وإن بلغ أشده في استقامة البنية وسعة الفكر، فإذا نفر الشعب بحذافرهم وولوا وجوههم شطر الارتواء من العلوم ضاعت واجبات اجتماعهم وانتقضت قواعد العمران من زراعة وصناعة وتجارة.

وأما تخلفهم جميعًا وقعودهم عن الرحلة في طلب العلم فإنه يخل بنظام العيش من جهة أن جهل القبيلة (وقت أن كان الناس قبائل) بما أرشدت إليه الشريعة من العقائد والأخلاق وخلوها عما فصلته من قوانين الاجتماع وضروب السياسات يفضى إلى انتشار المفاسد واشتعال نار الفتن مثل ما كانت عليه حال العرب في جاهليتها.

وفضائل العبادات أيضًا لها مدخل في انتظام العيش بمعنى: قرار النفس ورضاها عما سخر الله لها من العيش وهذا يعتبره الإنسان من نفسه متى نظر إلى حاله وهو ملتفت بقلبه إلى زخارف الدنيا وقاسها بحاله إذا أقبل على فاطر السماوات والأرض فإنه يجد في هذه الحالة من برد اليقين وراحة الخاطر ما يكشف عن كدر كان يمازج قلبه، وحزازة هي أثر القساوة والإعراض بجانبه عن الطاعة فيرى أن العيش المنتظم على الحقيقة إنما هو عيش الفائزين بهداية الدين علمًا وعملاً.

وعبر في الآية بالمؤمنين من دون الناس لأن الآية مسوقة للحث على القيام، والأعمال إنما يرجى الامتثال فيها من المؤمنين ولو كان الأمر هنا بواجب من العقائد لناسبه التعبير بنحو الناس. وقد قال بعض المفسرين إن من عادة القرآن التعبير بمثل «يا أيها الناس» إذا كان المخاطب به ما يرجع إلى أصل من أصول الدين، فإذا كان المأمور به فرعًا من الفروع صدر الخطاب بنحو «يا أيها الذين آمنوا». أو يقال: إن ذكر المكلفين هنا بوصف الإيمان لتقوية داعيتهم وإغرائها على العمل بأسلوب لطيف فإن في تسميتهم بالمؤمنين تلويحًا إلى صفة الإيمان بالله التي من شأنها أن تبعث على حسن الطاعة والمسارعة إلى امتثال أوامره.

ثم تعرض للبحث في إعراب كلمة «كافة» بحثًا لغويًا فليرجع إليه من شاء من المختصين. 

ماذا يندرج تحت التفقه في الدين؟

ذكر الإمام أن ما يندرج في التفقه في الدين: تعلم ما يرجع إليه من أحكام وعقائد وأخلاق. وأما إطلاق الفقه على معرفة الفروع خاصة فعرف حادث بعد نزول القرآن فلا يصح تفسير الآية به، فإن القرآن أنزل بلسان عربي مبين ليتمكن العرب من فهمه فينتفعون بالعلم به في أنفسهم ويبلغونه إلى غيرهم من الأمم لعلهم يتذكرون.

وهذه الحكمة تستدعي أن يكون الكتاب جاريًا في سائر استعمالاته على المعاني المألوفة لهم في موضوعات لسانهم وأساليب كلامهم، وإذا ألقى إليهم قولاً مجملاً وكلمة لم يسبق لهم علم بمدلولها لم يتمادوا على الجهل بها وتعلموا بيانها عن رسول صلى الله عليه وسلم فإذا لم تكن الكلمة معهودة الاستعمال في معنى وقت الوحي ولم يعنه صاحب الشريعة في بيانها امتنع حملها عليه. ثم بين الإمام تفاوت العلوم في الشرف وأن الإقبال على العلم أفضل من الاشتغال بالعبادة لسببين:

أحدهما: مصلحة العبادة خاصة ومصلحة التعليم عامة وما له مصلحة عامة أشرف مما له مصلحة خاصة.

ثانيهما: أن في التعليم درء مفسدة وفي العبادة جلب مصلحة ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ولا سيما ما يدرأ الخلل في الدين ثم أشار إلى ما قاله ابن جماعة في «كشف المعاني» عند قوله تعالى: «قل أعوذ برب الناس» وهو: المستعاذ به في هذه السورة ثلاث صفات هي: (رب الناس، ملك الناس، إله الناس) والمستعاذ منه شيء واحد وهو الوسوسة والمستعاذ به في السورة قبلها صفة واحدة (رب الفلق) والمستعاذ منه أربعة أشياء: شر المخلوقات، والليل إذا هجم بظلامه الشديد، والساحرات اللاتي ينفخن في العقد للإفساد بين الناس والحسد.

ولما كان المطلوب في سورة الناس سلامة الدين من الوسوسة القادحة فيه، والمطلوب في سورة الفلق سلامة النفس والبدن والمال، وسلامة الدين أعظم وأهم ومضرته أعظم من مضرة الدنيا، فموقع الدين من النفوس شديد ولهذا كان تأثيرها للاستخفاف بشأنه أو تحريف بعض حقائقه فوق كل تأثير.

ثم انتقل الإمام إلى موضوع في غاية الأهمية وهو: ما المراد من الاختلاف في حديث اختلاف أمتي رحمة؟

ذكر الإمام عن بعض الأئمة أن المراد اختلاف هممهم في العلوم، فهمة واحد في الفقه وهمة آخر في العقيدة، كما اختلف أصحاب الحرف ليقوم كل واحد بحرفة فيتم نظام العيش. ثم علق عليه قائلاً: إن الذي يحمل الحديث على هذا المعنى، يقصد التباعد عن فهم معناه على أن اختلاف الأمة في آرائها رحمة، ولا يرضيه أن تدخل الرحمة من ناحية اختلاف الآراء ولو في الفروع لأن نصوص الشريعة حافلة بالنهي عن الاختلاف بإطلاق، وذوو الاجتهاد مأمورون ببذل الوسع في إزالته والتلاقي على ما يرضي الله تبارك وتعالى كما قال عز شأنه (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله) (النساء/59).

لكنهم إذا أفرغوا جهدهم في البحث عن الأدلة أو أمعنوا النظر بقصد الوصول إلى ما هو حق ثم أدركهم العجز عن الاتفاق فالعذر قائم وباب العفو مفتوح والعفو عن هذا الاختلاف وعدم مؤاخذتهم عليه لا يقتضي أن في الخلاف رحمة وأنه أصلح من الوفاق وأسعد من تضافر الآراء على مذهب أو رأي يرتضيه الجميع.

ثم يضيف - رحمه الله - إن في الآية إشارة إلى أن يكون غرض المتعلم من العلم أن يستقيم أمره ويقيم أمر غيره، وأن أعظم درجات الإنسان وأشرفها أن يكون كاملاً في نفسه ومنبعًا يتدفق منه الإصلاح والكمال إلى غيره.

وأشار إلى نكتة لطيفة ذكرها بعض المفسرين عند قوله «وسراجًا منيرًا» (الأحزاب/46) وهي أنه مع تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم بالسراج من دون أن يشبهه بالقمر لأن القمر يعتمد في نوره على غيره لذلك لا يمكن أن تستمد من ضوئه عدة أجرام مضيئة في نفسها بخلاف السراج فإنه يضيء في ذاته ويمكن أن يقتبس منه سُرُجٌ لا يشملها الإحصاء. فالتمثيل أوفى بالمراد وأقرب مطابقة لحاله صلى الله عليه وسلم.

- الحكم بغير ما أنزل الله:

نبه الإمام على أن الْمُنْذِرَ يتعين عليه أن يتحرى في إنذاره بحيث لا يستند فيه إلا إلى علم صحيح من آية قرآنية أو حديث ثابت أو نص يقتدى به من الأئمة وتطرق إلى جريمة الحكم بغير ما أنزل الله وأشار إلى ما ذكره الإمام الرازي في آية «ومن لم يحكم بما أنزل الله» ومعنى قوله تعالى: «فأولئك هم الكافرون» أن المشار إليهم بالكفر هنا من حكموا بغير ما أنزل الله معتقدين أن ما قضوا به هو أوفق بالسداد وأحفظ للمصالح. وأشار إلى أن الشيخ بن عرفة نبه إلى معنى دقيق في الآية وهو أن أسلوب الآية أبلغ من أن لو قيل: «من حكم بغير ما أنزل الله» فإن هذه العبارة تتناول من تقدم إليه الخصمان بقضية فأهملها وهو يستطيع فصلها بخلاف الآية فإنها تتناول من حكم في القضية بالباطل ومن أبى الحكم فيها بما أنزل الله وسكت وهو منتصب في مقام الفصل بين الناس ثم بين أن للإنذار بالقرآن تأثيرًا بالغًا على النفوس بحيث لا يقوم كلام البشر مقامه، لذلك كان القرآن حجة ودعوة بمعانيه وألفاظه فإن استقامة سائر ما احتوى عليه من القضايا وانطباقها بجملتها وتفصيلاتها على مناهج الحكمة ورسوم السياسة العادلة يدل دلالة مثل فلق الصبح على أنه وحي سماوي وأنه بريء من أن تبتدعه أفكار البشر وبهذا يمكن للعجم الذين لا يحسنون العربية أن يدركوا وجها من إعجازه متى نقلت إليهم معانيه الأولية بترجمة محررة.

- إبطال أن يكون لبعض أهل التصوف أحكامًا خاصة يتلقونها بطريق الباطن:

ثم تحدث الإمام عن معنى «قومهم» وقال إن إضافة القوم هنا للعموم ومعلوم أن الجمع المضاف من صيغ العموم فتفيد الآية أنهم ينذرون بما تعلمونه من الفقه كل فرد من أفراد قومهم، وبهذا يبطل ما يزعمه بعضهم من أن لأهل التصوف أحكامًا خاصة يتلقونها بطريق الباطن. قال أبو إسحاق الشاطبي: لم يشرع الله تعالى إلا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنه الصحابة ثم العلماء وعدم التصريح بأن يكون للعارفين بالله أحكام تخصهم فيه لسداد باب الخروج عن تعاليم الشريعة زيادة على كشفه عن الحقيقة فإن فتح هذا الباب يفضي إلى أن ينحرف كثير من الناس عن الجادة بدعوى أنهم بلغوا درجة الولاية، وأنهم يتعبدون بأحكام باطنة وأهل التصوف الخالص يصرحون بهذا. قال الإمام الجنيد كما ذكره الزركشي في جمع الجوامع: 

«من لم يحفظ القرآن ويكتب الأحاديث لن يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة».

ثم تحدث الإمام عن خبر الأحاد (أي الحديث الذي يتفرد بروايته راوٍ واحد) حديثًا مفصلاً يرجع فيه إلى كتب الحديث. ثم سئل عن معنى: «القاعدة الشرعية» فقال: هي قضية تنتزع من دلائل متفرقة في الشريعة حتى تكون قطعية في نفس من استقرأها من المجتهدين كقاعدة: ارتكاب أخف الضررين، فمن مآخذها قوله تعالى: «فأردت أن أعيبها» (الكهف/ 79) فإن إعابة السفينة ضرر ولكنه أخف من أخذ الملك بسلطة غاصبة.

وتحدث عن قوله تعالى: «لعلهم يحذرون» وبين أن حرف الترجي (لعل) الواقع في الآية يجعله البعض على معنى التعليل (أي السبب) بينما يصرفه البعض إلى المخاطبين «أي أنذروهم على رجائكم وطمعكم أن يحذروا... ويجري على هذا كل ما فيه حرف ترج» كقوله تعالى: «لعلكم تفلحون» (البقرة/ 189).

ذلك بعض ما فتح الله به على الإمام عند تفسيره لهذه الآية الكريمة، ونسأل الله أن يكون الصواب حليفنا فيما نقلناه وألا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا إنه هو العفو الغفور.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news