العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

تطهير للذنوب!

من عطاء البلاء الخفي أن الله تعالى يطهر به العبد من الخطايا، فيسمو العبد عند مولاه سبحانه وهو لا يدري، وترفع درجته في ميزان الحق سبحانه وهو لا يعلم. وقد يعوضه الله تعالى بعطاء البلاء عن عطاء ما يؤديه من عبادات مشكوك في قبولها أو حتى في درجة قبولها، فقد ترد عليه وربما يضرب بها وجهه، وقد يقبل منها القليل أو الحد الأدنى في سلم الدرجات.

وبهذا المعنى قد يكون البلاء أحد العلاجات الناجعة من أمراض المعاصي والخطايا، ويدخل في باب الدواء لداء المعصية، وكلنا يعلم أن الإسلام يتضمن أسباب الوقاية وأسباب العلاج، فإذا أخذ العبد بأسباب الوقاية، وحرص عليها نجَّاه مولاه سبحانه وتعالى من الوقوع في المعاصي، وإذا أهمل الأخذ بأسباب الوقاية ووقع في المعصية، فعليه ألا ييأس ولا يقنط لأن رحمة الله تعالى واسعة، فعليه أن يأخذ بأسباب العلاج، ومن بينها رضا العبد عما يقع به من بلاء، وعليه أن يحتسب الأجر عند الله تعالى، وقد يقصر العبد في الطاعات، فيخف ميزانه فلا يخاف، فإن هناك عوضا في تثقيل ميزانه بالبلاءات الواحد تلو الآخر حتى ينهض العبد من كبوته، ويعتدل في قامته، وبعد أن كان يمشي مكبا على وجهه صار يمشي سويا على صراط مستقيم، قال تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمَّنْ يمشي سويا على صراط مستقيم) المُلك/22.

ومن عطاء البلاء وتطهيره للعبد من الذنوب نزول البلاء بالعبد وصبره عليه واحتساب الأجر عند الله تعالى عليه، فيتطهر العبد في ذاته حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، وهذا عطاء خفي كما سبق وأن أسلفنا يناله العبد وهو يصارع بلاءه، ويصبر عليه ويصابر، وذلك ليثبت حسن ظن الله تعالى به.

وأهل البلاء..الصابرون عليه..الراضون بحكم الله تعالى فيهم، هم وحدهم الذين اختصهم الله سبحانه وتعالى بميزة لم ينلها غيرهم، وهي أنهم يوم القيامة لا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا، قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر/10، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالشهيد يوم القيامة وينصب للحساب ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينصب لهم ديوان فيصب عليهم الأجر صبا حتى أن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثوب الله» الألباني/ السلسلة الصحيحة. وقوله تعالى: (بغير حساب..) له وجهان: الأول: بلا محاسبة، وهذا الوجه يفسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا ينصب لهم ميزان ولا ينصب لهم ديوان» وهذه هي أدوات المحاسبة، وأما الوجه الثاني: والذي يفيد معنى بغير حدود ولا حصر، فنجده في قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم «ويصب عليهم الأجر صبا».

وتطهير العبد بالعمل الصالح، والصبر على البلاء لم يأت من فراغ، بل هو عودة بالإنسان إلى الفطرة الأولى التي خلقه الله تعالى عليها، قال سبحانه: (فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم/30. وقوله جل جلاله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)) الأعراف.

إذن، فعملية التطهير التي تتحقق من خلال ما ينزله الله تعالى بالعبد من البلاءات التي يرضى عنها العبد، ويصبر عليها، هي عودة بالإنسان إلى الفطرة الأولى المبرأة من شوائب الشرك القولي والعملي، فإذا عاد العبد إلى فطرته الأولى، فقد صفت نفسه، وصلحت سريرته، واستقامت خطواته على صراط ربه المستقيم، فصار كل عمل يصدر عنه عملاً صالحًا متقبلاً عند مولاه سبحانه، بشرطيه، وهما شرط الإخلاص والاتباع، وشرط الإخلاص أن يكون العمل خالصًا لله تعالى، مبرأ من أي شرك خفي أو جلي، وأما شرط الاتباع، فهو أن يكون العمل وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصلاة مثلاً يؤديها العبد كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحج ومناسكه نأخذهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصلي كما صلى رسول الله، ونحج كما حج من دون زيادة أو نقصان، حيث قال صلوات ربي وسلامه عليه عن الصلاة: صلوا كما رأيتموني أصلي، وقال عن الحج: خذوا عني مناسككم.

هذا هو عطاء البلاء من ناحية التطهير، وتخليص العبد من ذنوبه، والعودة به إلى الفطرة النقية الطاهرة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news