العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

منصات التواصل الاجتماعي والمشهد الاتصالي المعاصر

بقلم: الدكتور عبدالكريم الزياني

الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

يمكن النظر للمشهد الاتصالي المعاصر من زاوية التغيُّر الكبير الذي طرأ على طرق الاستخدام والتماثل لشبكات التواصل الاجتماعي من قبل الجمهور، بغضِّ النظر عن المتغيرات الديمغرافية التي بينت الكثير من الدراسات أنها لا تشكل ذلك التأثير الكبير والملحوظ على المشهد الاتصالي المرتبط بالأساس بآليات وطرق وأساليب استخدام متعددة ومتنوعة. 

يُعتبر عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، هو الذي وضع اللبنات الأولى في أطروحاته المتعلقة بالتواصل، والفعل والعقل التواصلييْن، وسبره أعمق من ذلك عندما لمس السلوك التواصلي لفهم المجتمعات وتحليل بنيتها الفكرية والثقافية، وهي من الافتراضات المهمة التي يمكن الاعتماد عليها في فهم فلسفة التواصل الإنساني عبر شبكات التواصل الاجتماعي ودورها في خلق مجال عمومي يمكن تسميته بالمجال العام الافتراضي.

لقد لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا واضحًا في نقل المعلومة، بغضِّ النظر عن الملاحظات التي ارتبطت بمدى مصداقية تلك المعلومات، ولكنها ساهمت بشكل كبير في توفير قاعدة معرفية أساسية، شكلت بدورها تصورات المتلقّي حول قضايا ومجتمعات ومواقف سياسية واجتماعية وإنسانية واقتصادية، بل يمكن القول إن آليات وطرق الاستخدام والتماثل لشبكات التواصل الاجتماعي، ساهمت بشكل كبير في تكوين وبلورة المجال العام الافتراضي الذي أصبح عالميا في بعض القضايا، ومحليًا في قضايا أخرى، والتي كانت حتى وقت قريب حكرا على وسائل الإعلام التقليدية.

 غير إن التطور الكبير في مستوى التكنولوجيا والخيارات التقنية المتاحة، وفي اعتماد واستخدام المتلقي لتلك الشبكات في حياته اليومية، أسهم في تغيّر بعض أطروحات هابرماس في المجال العام والتي حمّلت في السابق وسائل الإعلام مسؤولية كبيرة في تشويه الرأي العام وعرقلة تكوين مجال عام حقيقي، غير أن التطور بشقيه (التكنولوجي–والاستخدام) دعم أطروحة هابرماس فيما يتعلق بالفعل الاتصالي في النقاش العام والمحاججة بين الأفراد في سياقات جامعة لهم بغض النظر عن المجال الجغرافي الذي يعيشون فيه، خاصة في القضايا العامة والأممية كالفقر والحروب والصحة والمجاعة.

لقد شكلت الدراسات العلمية النظرية والميدانية في مجال علوم الإعلام والاتصال لبنة مهمة وأساسية في تقديم مقاربات علمية ومعرفية للدور الذي تلعبه هذه الشبكات الاجتماعية في الحياة اليومية، بل إن تلك الدراسات ساهمت بشكل كبير في فهم احتياجات الجمهور وأظهرت التطور الملحوظ في اعتماده على تلك الشبكات في مختلف المجالات. كما أظهرت الدراسات أيضا بعض المخاطر والإكراهات والمؤشرات السلبية لطرق استخدام الشبكات من قبل المتلقي، سواء المؤشرات السيكولوجية والاجتماعية التواصلية، وبيّنت الدراسات النظرية من جهاتها عمق المفاهيم ودلالاتها في هذا المضمار، وقرّبت وشرحت العديد من الاصطلاحات المفاهيمية المرتبطة بهذا المجال. 

إننا نقف الآن بعد هذه الطفرة والتغير في المشهد الاتصالي، أمام تحديات كبيرة تتعلق بإشكاليات المحتوى المعروض في الشبكات الاجتماعية، ودرجة الوثوقية فيها. فإذا كنا نعيش عصر المعلومات بكل متطلباته، فعلينا الإشارة إلى مخاوف المتخصصين والمهتمين بهذا المجال من نوعية وصدقية تلك المعلومات المعروضة على المتلقي، كما لا يمكننا إغفال الجانب الأخلاقي المرتبط بطرق الاستخدام، وما تحتويه الشبكات الاجتماعية من معلومات وأخبار قد تمس أخلاقيات وأمن المجتمع وخصوصية الأفراد بشكل كبير. 

 وقد بينت العديد من الدراسات الغربية والعربية مدى خطورة هذه المسألة على تطور وانتشار تلك الشبكات، الأمر الذي دفع أصحاب الشبكات الاجتماعية للعمل على جعلها أكثر أمنا مجتمعيا وأكثر حفاظا على الخصوصية والحماية للحياة الخاصة التي انتهكت بفعل الاستخدام غير الأخلاقي لها. 

لقد تغير المشهد الاتصالي المعاصر بشكل كبير جدا، وتغيرت مفاهيم تتعلق بهذا المشهد نتيجة للاندماج الكبير بين التكنولوجيا والاتصال من جهة وتوظيفها في العملية الاتصالية من جهة أخرى.

إن ما يميز هذا المشهد ظهور ما نسميه (البيت العالمي) الذي ظهر كتطور منطقي لمفهوم مارشال ماكلوهان (القرية العالمية)، فقد أشار ريتشارد بلاك بأن قرية ماكلوهان العالمية لم يعد لها وجود في ظل التسارع والتطور المذهليْن اللّذيْن أدّيَا إلى تحطمها وتحولها إلى ذرات وشظايا.

لقد تغيّر مفهوم الخبرات المشتركة بين الجمهور المتلقي للرسائل الإعلامية التي أشار اليها ماكلوهان إلى خبرات فردية يكتسبها المتلقي بشكل فردي نتيجة تعرضه للرسائل الاتصالية يوميا، إضافة إلى ذلك أن الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال زادت من حدة الفجوة بين الجمهور المتلقي من جهة وطريقة اكتسابه للخبرات من جهة أخرى، هذا الأمر فرض مشهدًا اتّصاليًا جديدًا، تميز بفرض حالة من العزلة والفردانية على المتلقّي، وتحوّلت العملية الاتصالية إلى عملية فردية بدل من كونها اجتماعية تهدف إلى توحيد الجمهور نحو الرسائل الإعلامية. ولكن مع ذلك فإن هذا المشهد حمل في طياته قيمًا ساهمت بشكل كبير في إحداث تحولات بنيوية في طريقة التعامل مع وسائل الاتصال واكتساب الخبرات وتبادلها بين الجمهور، المنعزل والفردي بطبيعته، تستدعي الوقف عندها.

وعلى الرغم من الطبيعة الموغلة في العزلة والفردية للمشهد الاتصالي، من خلال استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أنها ساهمت أحيانا في تكوين رأي عام حول قضايا مشتركة وإنسانية كثيرة منها الحروب والمجاعات والأمراض، ما كان لهذا الجمهور (الفردي بطبيعته) أن يعرفها لولا الانتشار السريع لهذه القضايا عبر تلك الشبكات، ودون أن تكون هناك قيود تحد من انتشارها واعتماد الجمهور الكبير عليها كمصدر للمعلومات.

‭{‬ أستاذ الإعلام المشارك

كلية الآداب – جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news