العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

فصل جديد من التوتر في العلاقات «التركية - الأمريكية»

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

شهدت العلاقات الأمريكية التركية مؤخرا تحولات سلبية وصلت إلى حد التأزم، بعد أن طفت على السطح قائمة طويلة من الخلافات والتقاطعات المتزايدة، كانت بمثابة تحديات أمام علاقات واشنطن مع أنقرة، وهي ما لا يمكن أن نتصورها على أنها علاقة صداقة أو شراكة أو تحالف كما كانت في السابق، بقدر ما نطلق عليها أنها علاقات بين دولتين متنافستين في العديد من الملفات الاستراتيجية، ولا سيما في الشرق الأوسط. 

ومؤخرا، أضافت صفقة صواريخ «S-400»، التي أبرمتها تركيا مع روسيا، والتي تعارض الهيكل الأمني الحالي لحلف الناتو، وتقوض محاولات الحلف لعزل موسكو، سببًا آخر لتدهور العلاقات بين الحليفين التقليديين، حيث قررت واشنطن تعليق مشاركة تركيا في برنامج تدريب الطيارين على مقاتلات (اف35)، وهددت بحرمانها من صفقة شراء 100 طائرة من هذا النوع. وتفرض الإدارة الأمريكية هذه العقوبات ضمن إطار قانون مكافحة أعداء أمريكا. فيما تعللت تركيا بأن الناتو لا يحمي فقط سوى 30% من أراضيها، وأنها ماضية في الصفقة لحماية أجوائها، ورفضت العرض الأمريكي بشراء بديل وهو «صواريخ باتريوت».

ووفقا لعديد من المحللين، فإن بوصلة العلاقات الأمريكية التركية تتجه إلى مزيد من التوتر غير المسبوق، ورغم الأسباب المعلنة ظاهريًا، فإن قائمة الخلافات طويلة، وتتعلق بمجمل العلاقات السياسية الخارجية للبلدين ومنها:- 

أولا: تنامي العلاقات الإيرانية التركية، والذي تعتبره أمريكا بابًا خلفيًّا للالتفاف على العقوبات التي تفرضها على إيران وإضعاف تأثيرها. وترفض تركيا العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران ومنعها من تصدير نفطها؛ لأن ذلك يحرمها من أكبر مورديها لهذه السلعة التي تفتقر إليها. واتفق الرئيسان؛ التركي والإيراني، في اتصال هاتفي يوم 8 يونيو، على تعزيز التعاون والعلاقات بين بلديهما، والالتفاف على نظام العقوبات من خلال تعزيز التبادل التجاري باستخدام العملة الوطنية لكلا البلدين، بعد أن منعت واشنطن، إيران من التعامل بالدولار «شراءً أو بيعًا أو تسوية لمستحقات أو استثمار أو غير ذلك من التعاملات»، واعتبرا هذا الأمر ضروريا؛ لترسيخ الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، فيما لم ينكرا تدخلهما في الشؤون الداخلية لسوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا وأفغانستان، وادعيا أن وجودهما هناك ضروري لشعوب هذه الدول.

وكانت تركيا قد أعلنت على لسان وزير خارجيتها في مايو 2019. أنها لا يمكنها تنويع وارداتها النفطية بسرعة، بعد أن أنهت الولايات المتحدة الإعفاءات، التي منحتها لبعض مشتري النفط الإيراني -ومنهم تركيا- وطالبت واشنطن بالعدول عن موقفها، مبررة ذلك بأن المصافي التركية تحتاج إلى تطويرات تكنولوجيا مكلفة حتى يمكنها اللجوء إلى بدائل. وتشتري تركيا شهريًا من إيران قرابة الـ912 ألف طن، ما يمثل نحو 47% من مجمل حاجتها من الطاقة، وبعد فرض العقوبات في نوفمبر 2018. هبط هذا المتوسط إلى نحو 209 آلاف طن شهريًا أي نحو 12% من حاجتها.

وتعد تركيا أكبر مساعد لإيران عندما فرضت إدارة الرئيس الأمريكي، «أوباما»، عقوبات عليها في يونيو 2018. ومؤخرا رفضت الالتزام بالعقوبات الأمريكية عليها، وهو ما يعد ليس فقط مساندة اقتصادية، ولكنها أيضا مساندة سياسية، تقوي موقفها التفاوضي بشأن المطالب الأمريكية. وحافظ البلدان على علاقات اقتصادية قوية، حيث تأسست أكثر من 100 شركة تركية في إيران، وازداد الوجود الإيراني في تركيا تجاريًّا وسياحيًّا. ووقع الجانبان العديد من الاتفاقات في مجالات الطاقة والاستثمار، بما قيمته نحو 10 مليارات دولار في 2018. وتم الاتفاق على أن تقوم إيران بإمداد تركيا بالنفط في مقابل قيام الأخيرة بتأهيل مشروعات سكك حديدية في إيران. وفيما كان حجم التبادل التجاري بينهما قد بلغ نحو 22 مليار دولار سنويًّا، يسعى الجانبان حاليا إلى أن يصل إلى30 مليار دولار. 

ثانيا: تنامي العلاقات التركية الروسية، حيث باتت أنقرة أقرب إلى مواقف روسيا، المنافس التقليدي لواشنطن، بدءا من قرار تركيا منع قوات الناتو من دخول قاعدة «إنجرليك الجوية»؛ لاستخدامها في إسقاط نظام صدام حسين عام 2003. حيث أجبرت أمريكا على التفاوض معها مدة عام لاستخدام القاعدة. وتنامت العلاقات التركية الروسية، من زاوية براجماتية، وفي غضون سنوات قليلة ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 4.5 مليارات دولار عام 2000 إلى نحو 40 مليار دولار في 2018. مستهدفة أن يصل إلى نحو 100 مليار دولار، فضلاً عن مشروعات مشتركة أبرزها مشروع خط أنابيب الغاز، الذي تم التوقيع عليه في 2016 (ترك غاز). وفي أبريل 2018 تم وضع حجر الأساس لأكبر محطة نووية في تركيا تقوم روسيا ببنائها، ما يعد وسيلة للضغط على الاتحاد الأوروبي الذي امتنع عن قبول عضويتها فيه إلى الآن، وأيضا على الولايات المتحدة كي تتراجع عن العقوبات التي وقعتها عليها.

ثالثا: مواقف البلدين من الملف السوري؛ حيث تتبنى واشنطن المشروع القومي الكردي، وتدعم قوات وحدة حماية الشعب في شمال سوريا، وهو ما تعتبره أنقرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ويقتطع جزءا من أراضيها، الأمر الذي دفعها إلى توافق استراتيجي مع إيران وروسيا في سوريا، وتوجه «أردوجان» بعيدا عن تحالف شمال الأطلنطي. 

في حين تبرز عدة قضايا أخرى مثلت أوجها متعددة للأزمة بين البلدين؛ مثل الهجوم على المتظاهرين الأكراد في واشنطن من قبل حرس الرئيس «أردوجان»، مايو 2017. وعدم تقديم الولايات المتحدة الدعم الكافي للرئيس التركي في أعقاب محاولة الانقلاب عليه عام 2016. واختلافهما فيما يتعلق بمجمل الرؤية الاستراتيجية لكلا الجانبين حول مستقبل سوريا، ورؤيتهما للدورين الروسي والإيراني، سواء في المرحلة الراهنة أو المقبلة، فضلا عن عدم حدوث تغير في السياسات الأمريكية التقليدية مع قدوم «ترامب»، واتخاذ خطوات مثل تسليم «كولن، ووقف التعاون مع وحدات حماية الشعب»، كما تقول «أماندا سلوت»، من معهد «بروكينجز»: «لم تحد إدارة ترامب بشكل كبير عن سياسات واشنطن القائمة تجاه تركيا، ما يعني مزيدا من الانقسامات»، فضلا عن القضايا الجيواستراتيجية الأوسع التي تثير الخلاف، مثل خلافاتهم حول الناتو. كما أن واقعة احتجاز القس «أندرو برونسون»، المتهم بإقامة علاقات مع حزب العمال الكردستاني المحظور، أحد العوامل التي قوضت العلاقة بشكل كبير، بعد أن مثلت أحد المحاور الأيديولوجية والانتخابية المهمة لكلا الطرفين. 

غير أن ما يثير القلق أكثر، هو التحولات المتعلقة بالنظرة الاستراتيجية لأنقرة، التي تنجرف بعيدًا عن الغرب، فيما أصبحت أيديولوجيتها المتعلقة بالسياسة الخارجية تتبنى نهجًا مواليًا أكثر للشرق. ويوجز تقريران أعدهما مركز «ستراتفور» بعنوان: «حملة أردوجان القومية»، «أمريكا الأولى لترامب» «أن كلتا الدولتين تتبنى سياسات تعكس شكلا عدوانيا من أشكال القومية، ما يجعل التوصل إلى حل وسط بشأن المصالح القومية بين الاثنين مستحيلا».

بشكل عام، تستطيع واشنطن من خلال العقوبات الأمريكية، التضييق على أنقرة، وعرقلة قروض إنقاذ صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد التركي ضعفًا في السنوات الأخيرة، زاد منه العقوبات، التي فرضتها أمريكا وطالت صناعة الصلب والألمنيوم. ويبدو أن تهديد واشنطن بإلغاء الإعفاءات الجمركية، التي تتمتع بها تركيا في السوق الأمريكي، كان بالغ التأثير، فعلى مدار عام 2018 بلغ حجم الانخفاض في قيمة العملة التركية أكثر من 40%، على الرغم من محاولات المصرف المركزي التركي التدخل لوقف انهيارها. 

على العموم، على الرغم من توتر العلاقة بين الحليفين التقليديين؛ نتيجة الخلافات الأيديولوجية والاستراتيجية بين البلدين؛ فإنه من غير المرجح أن نرى حالة الانقسام تتحول إلى انهيار كامل في العلاقة التي أثبتت استدامتها خلال القرن الماضي، حيث تعتمد كل منهما على الأخرى في عدد من المجالات الرئيسية. غير أنه من الممكن تصور أن تبقى آفاق المصالحة مستبعدة في الوقت الحاضر. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news