العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تغير المناخ وتهديد الأمن في الشرق الأوسط

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

في أبريل 2014 نشر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، ضمن سلسلة عالم المعرفة، كتابًا بعنوان «مدار الفوضى: تغير المناخ والجوانب الجديدة للعنف» لمؤلفه كريستيان بارينتي، وترجمه د.سعد الدين خرمان، يربط بين تغير المناخ والصراع الاجتماعي والعنف السياسي، مركّزًا على المنطقة شمالي وجنوبي خط الاستواء، بين مداري السرطان والجدي، والتي تشهد دولها صراعات عنيفة، وحروبًا أهلية، وتزايدًا في وقائع الجريمة المنظمة، وإن كان تغير المناخ وحده ليس السبب، إلا أنه أصبح عاملاً رئيسيًّا يضاف إلى العوامل الأخرى الموجودة، كإرث الحرب الباردة، والأسباب الاقتصادية، وأصبح هناك ما سماه «التجمع الكارثي: الفقر والعنف وتغير المناخ»، فإذا كان العنف والتوتر وغياب الاستقرار نتيجة، فعلينا التعامل مع ما يعتبر سببًا وهو التغير المناخي.

ومن المعلوم أن العالم يشهد منذ فترة تقارب قرنا ونصف القرن من الزمان تغيرًا مطردًا في حالة المناخ، يتسم بالارتفاع التدريجي المتواصل لدرجة الحرارة، وكان العقد الأول من الألفية الجديدة هو الأكثر ارتفاعًا منذ عام 1850. نتيجة تغير سلوك الإنسان، واعتماده المفرط على الوقود الإحفوري، والأنشطة الصناعية، وإزالة مساحات شاسعة من الغابات، ما أدى إلى ارتفاع انبعاث الغازات الكربونية، وهي السبب المباشر لهذا الارتفاع الحراري. 

ونتيجة للآثار البيئية المدمرة، التي لا تتوقف عند انقراض نحو 20% من الأنواع النباتية والحيوانية، وموت مئات الآلاف من البشر، واختفاء جزر تحت البحر، وتهديد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بالتصحر، وغرق مناطق دلتا الأنهار الكبيرة، تصاعد موضوع التغير المناخي إلى قمة الاهتمامات العالمية، سواء على مستوى الأمم المتحدة، أو المجتمع الأكاديمي والمدني الدولي، فقد صار الخطر مهددًا لكوكب الأرض كله، وآية ذلك الاهتمام مشاركة 196 دولة في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي بالمغرب في 2016 الذي يعد النسخة 22 من مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتغير المناخي.

وتعد منطقة الشرق الأوسط، التي تتسم بتعدد القوميات والإثنيات والمذاهب، فضلا عن أن معظمها من الناحية الجغرافية ذو مناخ صحراوي، أي يتسم بارتفاع درجة الحرارة وقلة الأمطار، من أكثر مناطق العالم عرضة لهذا التغير المناخي، الذي يُزيد أجواءها قسوة، فهذه المنطقة أكثر تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة إلى موجات حر قاتلة، وتكرار الإعصارات الشديدة والعواصف الترابية، والفيضانات والسيول أحيانًا، وشح الأمطار أحيانًا أخرى، الذي يؤدي إلى مواسم الجفاف الطويلة، وارتفاع منسوب المياه في البحار، ومن ثم تآكل الشواطئ وغرق مساحات كبيرة من الأراضي، خاصة تلك الواقعة تحت مستوى سطح البحر، والقريبة من السواحل، وقد أصبحت مدن كنواكشوط في موريتانيا وبنغازي في ليبيا عرضة للاختفاء؛ بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر 8 ملليمترات سنويًّا، وما تشمله هذه المناطق الساحلية من موانئ تطل على المضايق المائية الدولية، كالمضايق التركية، وقناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز، ما يمكن له أيضًا أن يؤثر تأثيرًا بالغًا على حركة شحن الأغذية من مناطق الفائض إلى مناطق الحاجة، مسببًا أزمة في إمدادات الغذاء عالميًّا، ومن الجدير بالذكر أن منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم اعتمادًا على استيراد الغذاء، خاصة الأغذية الرئيسية من حبوب وألبان ومنتجاتها ولحوم، بسبب طبيعتها الصحراوية، وقلة المياه، ومن ثم قلة المراعي وضعف الإنتاج الزراعي، وفضلاً عن ذلك فإن ارتفاع درجة الحرارة يهدد بانقراض نحو 40% من الكائنات الحية من حيوان ونبات، ويُفقِد مناطقها السياحية جاذبيتها، وهي شديدة الاعتماد عليها كمورد اقتصادي.

وتعد منطقة الخليج العربي، طبقًا لتقارير وكالة ناسا الفضائية الأمريكية، من أكثر مناطق الشرق الأوسط تأثرًا بهذه التغيرات المناخية، ووجد العلماء من جامعة ماساتسوتش التكنولوجية في دراسة نشروها عام 2015 أن ارتفاع درجة الحرارة على مستوى العالم، يزيد من احتمال حصول موجات حر قاتلة في العقود القادمة في منطقة الخليج، بل إن هناك مناطق في الخليج قد تصبح غير قابلة للحياة فيها، وتتحول المناطق السياحية فيها إلى مناطق سلبية، وإذا ما تسبب التغير المناخي في إغلاق الموانئ، فإن واردات 80% من أغذية كل من الكويت وقطر والإمارات ستتأثر بالطبع.

والارتباط بين التغير المناخي والعنف السياسي، ومن ثم تهديد الأمن، ليس جديدًا، فعلى خلفية العلاقات بين تركيا والعراق وسوريا، وبين إسرائيل والفلسطينيين وسوريا ولبنان، يوجد صراع على الموارد المائية، فالتراجع في تدفق المياه من الأنهار الكبيرة في منطقة الهلال الخصيب، الذي قد يؤدي إلى اختفاء هذه الأنهار مع نهاية القرن الحالي، يجعل كل طرف يستميت لوقف تدهور نصيبه من المياه، ما يجعل الأمن في حالة تهدد دائمة.

كما أصبحت حالة العلاقات المصرية الإثيوبية تتأرجح بين الصراع والتعاون؛ بسبب سد النهضة الذي تقيمه إثيوبيا على النيل الأزرق، والتأثير المحتمل لهذا السد على حصة مصر المائية التي تعتمد عليها أساسًا حتى تقوم الحياة فيها، بعد أن أفقدتها التغيرات المناخية عبر مئات السنين الموارد المائية الأخرى، وقد بدأت مصر بالفعل تعاني، بسبب قلة المياه، من زيادة ملوحة الأراضي، ما قلل من خصوبة الأراضي الصالحة للزراعة، ويأتي هذا في الوقت الذي يتزايد فيه عدد السكان.

ولا نستطيع تناول أحداث العنف وما يتعلق بتهديد الأمن والاستقرار، في منطقة الشرق الأوسط وفي عالمنا العربي، بعيدًا عن هذه التغيرات المناخية وتداعياتها على الموارد، فقد انتهزت تركيا تدهور الأوضاع الأمنية في العراق بالسطو على مياه نهر دجلة، وإنشاء سد «أليسو» عليه في 2018. ما أفقد العراق 50% من مياهه، وأدى إلى تصحر نحو ربع مليون هكتار، كما حوّلت إيران -على الرغم من أنها صاحبة النفوذ الأكبر في العراق- مسار أنهار وجداول تتدفق على العراق، فتوقف تدفق نهر «الراب» المغذي لنهر دجلة، ما أثر كثيرًا على جنوب العراق، والأعمال الاحتجاجية العديدة التي اشتعلت في هذه المنطقة ضد السلطات العراقية، ومثل هذه التصرفات الإيرانية أدت إلى تمدد نفوذ داعش في العراق على حساب السلطة المركزية، بل قيامه باحتلال مساحات كبيرة من العراق منذ 2014. كل ذلك لا يمكن تفسيره بعيدًا عن التغير المناخي الذي دفع بكل من تركيا وإيران إلى هذه التصرفات.

لهذا نجد موضوع التغير المناخي حاضرًا في الكثير من الندوات والمؤتمرات وورش العمل الخليجية، كما نجده حاضرًا في مجموعة العمل الخليجية المعنية بمتابعة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، وقد أخذت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تتبنى سياسات ترشيد الطاقة؛ كالاعتماد على الطاقة من الموارد المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛ لتقليل انبعاث الغازات الكربونية، والتطور في إنتاج المشتقات النفطية حتى تصبح هذه المشتقات صديقة للبيئة، مع ما يتطلبه ذلك من استثمارات ضخمة، وتأتي هذه السياسات للتفاعل الجدي مع التدابير العالمية لمكافحة ظاهرة تغيرات المناخ، ومشاركة دول المجلس الفعالة في الجهود الدولية لمنع تجاوز ارتفاع درجة الحرارة درجتين مئويتين، والعمل على جعل هذا الارتفاع في حدود درجة ونصف الدرجة، لكن هذا الدور الذي تقوم به دول المجلس للحد من التغير المناخي الذي تتأثر هي بنتائجه، ينبغي أن يكون أيضًا في إطار تعاون دولي، يقوم فيه كل طرف مسؤول بتنفيذ التزاماته، كالدول الصناعية الكبرى، الذي يعد نشاطها الصناعي مسؤولاً عن هذا الخلل المناخي، وكذلك الدول التي اقتلعت غاباتها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news