العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

قوانين تكرس الانحياز الأمريكي لإسرائيل

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

تتأهب لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي لاعتماد أربعة مشاريع قوانين خلال الأسبوع القادم، ومن بينها تشريع جديد من شأنه أن يدق مسمارا في نعش مسار السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. ينطوي اثنان من هذه التشريعات الأربعة المنظورة على انحيار كامل لإسرائيل غير أن التشريعين الآخرين يدعوان إلى القلق الحقيقي. 

ينص مشروع القرار 246 على «مناهضة أي جهود ترمي إلى نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها» وهو مشرع قانون غير ملزم. على عكس الصيغ السابقة من هذا التشريع المنظور فإن هذه المسودة الأخيرة لا تنص على فرض عقوبات على مؤيدي الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها كما أنها لا تخلط بين إسرائيل من ناحية و«المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل» من ناحية ثانية.

هذه في الحقيقة طريقة غير ذكية بالمرة هدفها الاعتراف بسيادة إسرائيل على المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. لهذا السبب حظي التشريع المقترح بتأييد عديد من الجماعات الليبرالية كما أنه مدعوم من 338 من أعضاء الكونجرس الأمريكي. 

تضمن مشروع القانون 246 أيضا بعض الأجزاء التي تدعو إلى تكريس حل الدولتين لإنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين حتى يتمكن «الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني من العيش في دولتين معترف بهما وكلتاهما ذات سيادة وبمنأى عن الخوف والعنف، مع الاعتراف المتبادل». 

يحث مشروع القرار أيضا كلا من الإسرائيليين والفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات باعتبارها الطريق الوحيد للتوصل إلى نهاية للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. وبالمقابل، يتضمن مشروع القانون الكثير من الاستدراكات والحيثيات والفقرات التي تنص على مناهضة الحركة المطالبة بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، كما يزعم هذا المشروع أن هذه الحركة لا تستهدف دولة إسرائيل فقط بل تستهدف أيضا الأفراد اليهود الذين «يؤيدون إسرائيل». 

لقد أثار مشروع القانون 246 حفيظتي وذلك لسببين اثنين: 

أن مشروع القانون ليس مجرد تشريع بسيط بل إن المعهد العربي الأمريكي قد أصاب عندما اعتبره «أداة» ترمي إلى نزع الشرعية عن حركة قانونية وغير عنيفة تدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني - وقد حظي هذا القانون المقترح بدعم أغلبية ساحقة من أعضاء الكونجرس الأمريكي. صحيح أن مشروع القانون المقترح غير ملزم ولا يجرم هذه الحركة المدافعة عن حقوق الانسان الفلسطيني غير أنه يشوه صورتها وأعمالها وممارساتها كما يضع الكونجرس في مواجهة معها. إن من شأن مشروع القانون 246 أن يفتح الباب لبقية الولايات لتشريع مثل هذه القوانين ويفتح الطريق أمام الكونجرس الأمريكي لإصدار تشريعات أخرى مماثلة في المستقبل. 

يبدي هذا القانون المقترح تأييده الظاهري لحل الدولتين ويرى أن الحركة المطالبة بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات فيها وفرض العقوبات عليها تمثل عقبة أمام تحقيق هذا الهدف- هذا أمر ينم عن السذاجة في أفضل الأحوال كما أنه ينطوي على الخداع. لم يرد في هذا القانون المقترح أي ذكر للعقبة التي تمثلها الحكومة الإسرائيلية والمستوطنات التي يسكنها 620 ألف مستوطن يهودي، وهي المستوطنات التي صممت خصيصا لكي تحول مناطق الضفة الغربية إلى مجرد بانتوستانات معزولة عن بعضها البعض.

يضاف إلى ذلك عمليات مصادرة الأراضي بالقوة وهدم منازل الفلسطينيين والأعمال التعسفية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهو ما لا يترك أي مكان لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة على خلاف ما يدعو إليه مشروع القانون 246.

يجب ألا ننسى أيضا السياسات التعسفية الإسرائيلية القائمة على ضم أراضي الفلسطينيين في المنطقة المعروفة باسم «القدس الشرقية» وما نجم عنها من تداعيات سلبية عميقة على حياة 320 ألف مواطن فلسطيني يعيشون في المنطقة المذكورة.

لقد تم تجاهل كل هذه الحقائق، وهو ما يعكس تواطؤ الكونجرس الأمريكي مع هذه السياسات الإسرائيلية. رغم أن مختلف الإدارات الأمريكية قد طالبت إسرائيل بالتوقف عن بناء المستوطنات غير أن الدولة العبرية لم تواصل فقط بناء المستوطنات بل إنها أيضا تفعل ذلك بمباركة الكونجرس الذي يوافق على منح إسرائيل مساعدات ضخمة من دون أن تفرض عليها الولايات المتحدة الأمريكية أي عقوبات. 

عندما يتجه الفلسطينيون إلى منظمة الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات والدوائر الدولية الأخرى، مثل المحكمة الجنائية الدولية، فإن الإدارات والكونجرس في الولايات المتحدة الأمريكية ترد بمعاقبة الفلسطينيين أو المنظمات الدولية التي تدعمهم. 

لم يبق للفلسطينيين في ظل هذا الوضع المرير سوى اللجوء إلى الرأي العام، على غرار الحركة المطالبة بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات. قوبل نجاح هذه الحركات بهستيريا من إسرائيل ومن الكونجرس الأمريكي. من المؤكد أن الخطة القادمة ستكون العمل على نزع الشرعية عن الحركة المطالبة بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات ومن ثم تجريمها. 

أما مشروع القانون الثاني الذي يعرض على أنظار الكونجرس فهو مقيد تحت عدد 326 في مجلس النواب ينص على «الجهود الرامية إلى تسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين من خلال المفاوضات التي تفضي إلى تكريس حل الدولتين». هذا التشريع المقترح غير ملزم بدوره ويلقى الدعم من مجموعة تضم 144 من أعضاء الكونجرس الأمريكي ومرفق بمشروع قانون آخر معروض في مجلس الشيوخ تحت عدد 234 وقد حظي بدعم تسعة ديمقراطيين من بينهم مرشحان للانتخابات الرئاسية وهما بيرني ساندرز وإليزابيت وارين.

يتضمن هذا التشريع المقترح «حيثية» واحدة إيجابية تدعو إلى «إنهاء الاحتلال ووقف الأنشطة الاستيطانية وضم الأراضي الفلسطينية من طرف واحد». لم يسبق استخدام مثل هذه اللغة القوية في أي مشروع قانون تدعمه أطراف عديدة في الكونجرس الأمريكي، لذلك فإن مشروع القانون 326 جدير بأن يحظى بالدعم. يجب أن نذكر هنا أننا لم نستطع أن نقنع حملة كلينتون الرئاسية بإدراج كلمات مثل «المستوطنات» و«الاحتلال» في البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي في سنة 2016. 

رغم ذلك فأنا أخشى أن يتحول الدعم المقدم لصيغة حل الدولتين إلى دعم لما أسميه «التنصل من حل الدولتين» بحيث يبدي أعضاء الكونجرس دعمهم للنتيجة قبل أن يتنصلوا من مسؤولية العمل على تكريس تلك النتيجة على أرض الواقع، علما بأن التساؤل يدور حول صعوبة تكريس حل الدولتين في ظل الواقع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

كيف سيتعامل الكونجرس الأمريكي مع استمرار البناء الاستيطاني ووجود 620 ألف مستوطن في الضفة الغربية؟ كيف سيكون رد فعل الكونجرس الأمريكي مع ضم إسرائيل لمناطق واسعة من الأراضي الفلسطينية على أرض الواقع ضمن ما تسميه إسرائيل القدس الشرقية والأراضي الموجودة وراء الجدار الذي شيدته إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة؟ إن مسألة الاعتراض على هذه النقطة أو تلك تختلف كل الاختلاف عن العمل الفعلي من أجل تكريس هذا الاعتراض. 

خلاصة الأمر يتحمل الكونجرس ومختلف الإدارات المتعاقبة على السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، ماضيا وحاضرا، المسؤولية عما آل إليه الوضع في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. 

عقود كاملة ظل خلالها الكونجرس عازفا عن اتخاذ أي خطوة أو موقف لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي وحقوق الانسان للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة من دون أي عقاب. يدرك الإسرائيليون أنه يمكنهم الإفلات من العقاب مهما فعلوا وهو ما عمق حالة اليأس التي يعاني منها الشعب الفلسطيني كما أنهم فقدوا الأمل في إمكانية أن تسمع الولايات المتحدة الأمريكية الأصوات المنادية بالعدالة. 

نحن نتحدث عن قانونين ينحى أحدهما باللائمة على الضحايا فيما يسمح مشروع القانون الثاني لأعضاء الكونجرس بالتنصل من كل مسؤولية. هذا ما يزعجني ويثير حفيظتي.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news