العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

أمن الخليج العربي.. التحدي وحدود الاستجابة
الصراع والتنافس في المحيط الهندي(1)

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٥ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

التحدي يخلق الاستجابة، مقولة تجد تطبيقها بشكل واضح على أرض الواقع بالنظر إلى التحديات الهائلة التي تواجه أمن منطقة الخليج العربي سواء ضمن التنافس والصراع في منطقة المحيط الهندي، أو القرن الإفريقي واليمن، وصولاً إلى الخطر الإيراني ثم استمرار الأزمة السورية، فضلاً عن مفهوم توازن القوى الإقليمي وحتمية التنسيق بين دول الخليج والدول العربية المحورية وفي مقدمتها مصر 

وتأسيسًا على ما سبق سوف أتناول في أربع مقالات متتالية تلك المخاطر وكيفية تعامل دول الخليج معها.

فعلى صعيد منطقة المحيط الهندي، ما لاشك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين أمن المحيط الهندي وأمن الخليج العربي والتي تتأسس على اعتبارات تاريخية وثقافية ومصالح وتحديات آنية تجعل الارتباط بين المنطقتين ذا طبيعة استراتيجية.

فالخليج العربي يقع على مدخلين مهمين لتلك المنطقة وهما مضيقا هرمز وباب المندب ما يعني أن أي عرقلة للملاحة في هذين الممرين الحيويين سوف تنعكس بشكل مباشر على أمن المحيط الهندي باعتباره امتدادًا جيواستراتيجيا لأمن الخليج العربي.

من ناحية ثانية فإن التحديات التي يشهدها أمن المحيط الهندي في الوقت الراهن سوف تلقي بظلالها على أمن منطقة الخليج العربي والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

أولاً: على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لمنطقة المحيط الهندي ليس فقط بالنسبة إلى الدول المطلة عليه بل إلى الأطراف الدولية كحلقة اتصال للتبادل التجاري بين إفريقيا وآسيا، وكذلك بالنسبة إلى المصالح الأوروبية في الوقت ذاته فإنه لا توجد آلية تعاون إقليمية تضم مصالح الأطراف كافة، بل توجد تنظيمات فرعية أقرب للتنافس منها إلى التعاون حيث تشهد تلك المنطقة رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي وتجمع الآسيان ومن منظور جيواستراتيجي توجد ثلاثة تجمعات فرعية أخرى وهي منظمة الاتحاد الإفريقي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية ومبادرة المملكة العربية السعودية للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، صحيح أن وجود تنظيمات للأمن الإقليمي يعد ظاهرة صحية للنظام العالمي والذي نص على أحقية الدول في ذلك من خلال الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة إلا أنه يلاحظ أن تلك التنظيمات غالبًا ما تعكس مصالح عدد من الدول من دون أن يرتبط ذلك بالضرورة بالإطار الجيواستراتيجي الأوسع.

ثانيًا: لعل المتتبع لواقع الدول المطلة على المحيط الهندي يجد أنها تشهد خللاً واضحًا في توازن القوى بين دول صغرى ومتوسطة وكبرى ذلك الخلل الذي يعد مصدرًا لحالة مزمنة من عدم الاستقرار في تلك المنطقة بالنظر إلى ثلاثة عوامل مترابطة؛ الأول: أن الدول الصغرى في منطقة المحيط الهندي تعاني من نقص القدرات اللازمة لمواجهة تحديات الأمن الإقليمي في تلك المنطقة عمومًا وتحديات الأمن البحري على نحو خاص ومنها الهجرة غير الشرعية والتهريب والقرصنة، والثاني: أن تلك الدول تكون عرضة للاستقطاب من جانب الدول الكبرى، ما يخلق موازين جديدة للقوى، وما يجعل هذه المنطقة في حالة من الصراع المزمن، والثالث: الصراع ليس فقط بين الدول الكبرى في تلك المنطقة ومن ذلك إعلان كل من الهند وإندونيسيا وأستراليا بدء حوار فيما بينها نهاية عام 2018 لمواجهة النفوذ الصيني في تلك المنطقة، بل بين تلك الدول والقوى الكبرى التي لديها مصالح استراتيجية في هذه المنطقة ومنها الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا.

ثالثا: التوتر بين الهند وباكستان وسباق التسلح وتأثير ذلك على الأمن في منطقة الخليج العربي. 

وإدراكًا لتلك المخاطر والتحديات كان لدول الخليج دور في تفاعلات الأمن الإقليمي في هذه المنطقة سواء من خلال محاولة لعب دور الوساطة وخفض التوتر بين الهند وباكستان من خلال الزيارات المتتالية لعديد من المسؤولين السعوديين لكلا البلدين، أو من خلال الحماس والدعم الخليجي لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول المحورية في المنطقة من خلال مبادرة الحزام والطريق على سبيل المثال لا الحصر، وصولاً إلى سعي دول الخليج للوجود ضمن أطر الأمن الإقليمي في هذه المنطقة سواء من خلال العضوية في رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي. الجدير بالذكر أن دول الإمارات العربية تشغل منصب نائب رئيس تلك الرابطة، أو إقامة حوار استراتيجي بين مجلس التعاون ومنظمة الآسيان وهو ما تحرص عليه دول الخليج.

ومع أهمية التأثير والتأثر بين تفاعلات الأمن الإقليمي في المحيط الهندي ومنطقة الخليج العربي فإنه لا تزال هناك عقبات تواجه التعاون بين الجانبين أولها: تباين الأولويات الأمنية، صحيح أن ظاهرة القرصنة والهجرة غير الشرعية تبقى تحديات مشتركة إلا أن دول الخليج يهمها في المقام الأول منع انهيار الدولة في كل من الصومال واليمن على سبيل المثال لما لذلك من تأثير مباشر على أمنها القومي، وربما تكون الأولوية لدول المحيط الهندي فكرة بناء تحالفات إقليمية لتحقيق درجة من التوازن بين الصراع بين الهند والصين من ناحية، والتدخلات الدولية في تلك المنطقة من ناحية ثانية، وثانيها: في الوقت الذي تسعى دول الخليج بالفعل لبناء شراكات مع دول المحيط الهندي سواء بشكل ثنائي أو عبر الحوار بين مجلس التعاون والمنظمات المعنية في تلك المنطقة فإن ذلك يصطدم أحيانًا بالوجود الإيراني في بعض منظمات دول المحيط الهندي، وثالثها: أنه بالرغم من إدراك الدول المطلة على المحيط الهندي ودول الجوار الجيواستراتيجي لحتمية البدء في إجراءات بناء الثقة بين تلك الدول بالنظر إلى تنامي التهديدات التي تواجه الأمن الإقليمي فيها والتي تعد تحديا للجميع فإنه لا يوجد اتفاق حول ماهية الجهود الجماعية المطلوبة بل من يتحمل كلفة تلك الجهود وخاصة عندما يتعلق الأمر ببناء قدرات الدول الصغيرة في تنامي وتعدد مخاطر الأمن الإقليمي.

وأخلص ما سبق إلى نتيجتين مهمتين الأولى: أن التطورات الراهنة والمتلاحقة سواء في المحيط الهندي أو الخليج العربي قد أعادت التأكيد على تفاعلات الأمن الإقليمي بين الجانبين تأثرًا وتأثيرًا، والثانية: أنه في ظل تداخل وتشابك المصالح الإقليمية مع نظيرتها الدولية في منطقة المحيط الهندي فإنه من الصعوبة بمكان أن يكون لدى قوة واحدة الغلبة والسيطرة على ذلك المحيط بما يعني أنه لا تزال هناك حاجة ماسة إلى إيجاد تفاهمات بين دول ذلك المحيط والأطراف المعنية لتجنب الصدام في أي من أهم مفاصل التقاء الأمن الإقليمي مع نظيره العالمي.

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية 

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news