العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

الرئيس ترامب والأزمة الإيرانية

بقلم: ران هاليفي 

الأحد ١٤ يوليو ٢٠١٩ - 10:48

 

تتراوح المقاربة التي يعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع الأزمة الإيرانية بين الشدة من ناحية والتناقض في المواقف من ناحية أخرى. صحيح أن الانتهاكات التي ترتكبها إيران في المنطقة لا يحوم حولها أي شك غير أن تناقضات سيد البيت الأبيض وعدم انسجام قراراته تمس من مصداقيته في نظر نظام الملالي في طهران والذي أصبح يستثمر فيها. 

في ظل رهان القوة الذي يدور حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وإيران من ناحية ثانية نجد أن الطريق الأكثر «وضوحا» و«حسما» ليس بالضرورة الطرف الذي يتحدث بصوت أعلى. فقد ظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ الثورة الخمينية تعمل بنفس المنهجية وتسعى لتحقيق الهدف ذاته وهو امتلاك السلاح النووي وتحويل البلاد إلى قوة إقليمية مع بناء محور شيعي يمتد من طهران إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، مرورا بالعراق وسوريا ووصولا إلى لبنان. 

ظل الإيرانيون على مدى أعوام طويلة ينتهكون معاهدة منع الانتشار النووي ويعملون سرا على تطوير برنامج بلادهم النووي مع إنكار ذلك ونفي ما يذكر في التقارير الدامغة التي تصدرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

اضطر الإيرانيون إلى التوقيع على مضض سنة 2015 على الاتفاق النووي في فينيا والقبول بتجميد البرنامج النووي الإيراني على مدى عشرة أعوام وذلك بعد ما واجه نظام الملالي في طهران التهديدات بالتدخل العسكري وتخريب المواقع النووية الإيرانية وتشديد العقوبات الاقتصادية الغربية. 

كانت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما السابق تأمل في أن تسهم الفوائد والمزايا الاقتصادية والسياسية التي ينص عليها الاتفاق النووي في إضعاف القبضة الحديدية التي يفرضها النظام الثيوقراطي لرجال الدين الملالي ويدفع إلى الاعتدال ويخفف من نزعتهم للهيمنة على المنطقة. 

لقد حدث العكس بالضبط. فقد أدى الاتفاق النووي إلى زيادة جشع وأطماع النظام الثيوقراطي الإيراني في المنطقة كما أنه لم يتخل عن تطوير برنامج للصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية أو سياسته التي تتسبب في زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن أن إيران باتت اليوم تسيطر على أربع عواصم عربية وتشرف على شبكة من الأذرع والخلايا الإرهابية التي تعتبر أدوات تساعدها على تحقيق أهداف أجندتها الإقليمية. 

أصبحت قوات الحرس الثوري الإيراني اليوم تعيش في الأراضي السورية على رأس أكثر من عشرين ألف مقاتل من الشيعة، الأمر الذي جعل سلاح الطيران الإسرائيلي ينفذ سلسلة من الهجمات لاستهداف مواقع هذه القوات. 

لقد تقاعست الدول الغربية وتساهلت إلى حد كبير مع إيران وذلك طالما أن نظام طهران يواصل الإيفاء بالتزاماته المنصوص عليها في الاتفاق النووي المبرم في سنة 2015. 

لقد قرر الرئيس دونالد ترامب في سنة 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي من طرف واحد وأعاد فرض العقوبات المشددة على طهران وقد أسهمت تلك الخطوة في تعرية الاتفاق وإظهار ثغراته والعيوب الكبيرة التي تشوبه. 

تعتبر فرنسا وأطراف أخرى أنه كان من الأفضل استئناف المفاوضات من أجل الضغط على إيران كي تعلق بحوثها بشأن برنامجها للصواريخ الباليستية وتعيد تجميد البرنامج النووي بما يتجاوز مدة الأعوام العشرة المنصوص عليها في الاتفاق. لقد كان الرئيس ترامب مصرا على تقويض الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه باراك أوباما، ذلك أنه يرى في هذا الاتفاق «استسلاما كارثيا». 

فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب جملة من العقوبات المشددة وهي تشمل حظر شراء النفط الإيراني، وقد عادت هذه العقوبات بعواقب وخيمة وكانت لها انعكاسات كبيرة على البلاد واقتصادها الذي يمثل فيه النفط عموده الفقري. 

يظل الهدف من هذه العقوبات غير واضح في نظر الخبراء والمحللين، إلا أن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون قد ذكر في وقت سابق أن هذه «العقوبات المشددة» ترمي في نهاية الأمر إلى تغيير النظام في طهران. 

ظل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من ناحيته يلوح بقائمة تشمل 12 شرطا يتعين على سلطات طهران أن تقبل بها قبل أي مفاوضات وهي تنص خاصة على ضرورة وقف الأنشطة النووية والعمليات التي يقوم بها المرتزقة في اليمن وسوريا ولبنان وأفغانستان وغيرها من الأماكن الأخرى التي امتد إليها النفوذ الإيراني. 

في الأثناء يعطي الرئيس دونالد ترامب الانطباع بأنه غير قادر على إيجاد طريقة تضمن له المتابعة السياسية الفعالة للقرارات التي يتخذها والتي تعتبر في أكثرها قرارات في محلها، بما ذلك تلك المتعلقة بالحرب التجارية مع الصين. سبق للرئيس ترامب أيضا أن هدد بتدمير كوريا الشمالية قبل أن يجلس مع الزعيم الكوري الشمالي من دون أن يحصل منه على أي تنازلات تذكر كما أنه توعد إيران وقال إن أي «عمل عدائي يعني النهاية الرسمية لإيران». 

تؤكد كل الدلائل أن نظام طهران يقف وراء عمليات التخريب التي تعرضت لها ناقلات النفط قرب مضيق هرمز والهجمات التي تعرضت لها ناقلتان أخريان في خليج عمان كما أن إيران هي التي أسقطت الطائرة من دون طيار الأمريكية في مياه الخليج. 

في تطور آخر، أن الرئيس ترامب يدعو الإيرانيين إلى الحوار في نفس الوقت الذي يأمر فيه بشن هجمات إلكترونية لاستهداف الأنظمة العسكرية الجماعية الإيرانية ويفرض سيلا من العقوبات الأخرى المشددة على سلطات طهران. 

أظهرت حاجة إسقاط الطائرة الأمريكية من دون طيار أيضا مدى خطورة الوضع واحتمال الانزلاق في مواجهة، إذ إن الرئيس ترامب قد أمر في آخر لحظة بإلغاء الضربات التي كان قد أمر بها ردا على قيام إيران بإسقاط الطائرة المسيرة؟. 

لاشك أن هذا الأمر يظهر مدى صعوبة توقع ما قد يفعله الرئيس ترامب والطريقة التي قد يوقف بها القرارات التي يتخذها. لا تكمن المشكلة هنا في القرار في حد ذاته بتوجيه ضربات إلى إيران. قد يكون الرئيس ترامب قد أصاب عندما أجل توجيه الضربات ولو إلى حين. تكمن المشكلة الحقيقية في تقلب قرارات الرئيس ترامب وهو ما قد يضعف من مصداقيته ومصداقية القدرة الردعية الأمريكية. 

ينطبق الكلام ذاته على العقوبات الاقتصادية والتجارية وغيرها؛ ذلك أن غايتها والنتائج التي قد تتمخض عنها تظل محفوفة بالغموض، فضلا عن أن الشعب الإيراني هو الذي سيعاني أكثر من نظامه الذي سيستثمر كالعادة في النقمة على الولايات المتحدة الأمريكية، العدو التاريخي بحسب نظام الملالي. 

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة مارقة على القانون الدولي وتتوخى الحذر وتسعى لتفادي أي مغامرات أو مواجهات رغم ما تطلقه من وعيد وتهديد، كما أنها تلجأ لاستخدام القوة بروح براجماتية.

في سنة 1988. وفي السنة الأخيرة من حربها المدمرة ضد العراق المجاور تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لخسائر جسيمة حيث إن نصف أسطولها البحري قد دمر عن بكرة أبيه على أيدي سلاح البحرية الأمريكية من دون أن تتمكن من رد الفعل لأنه النظام الإيراني لم يكن يملك أي قوة بحرية أو جوية يرد بها. 

ظلت إيران على مدى الأشهر الماضية تتجنب الرد على الغارات الجوية الإسرائيلية والتي تستهدف المنشآت العسكرية الإيرانية على الأراضي السورية لأنها لا تستطيع ولا تريد، على الأقل في الوقت الراهن لأنها تعلم أنها ستتكبد خسائر فادحة على كل الأصعدة. 

لن توافق سلطات طهران على الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية إلا بعد أن تقدر الفوائد والكلفة. لكن في المقابل يجد النظام الإيراني نفسه اليوم في مأزق حقيقي وهو لا يعرف التضحيات التي يجب أن يقدمها من أجل الخروج من الطريق المسدود. في الأثناء تظل العقوبات الأمريكية تخنق الاقتصاد الإيراني وتضرب دعائمه وشرايينه الحيوية. 

لم تجد إيران من سبيل آخر سوى اللجوء إلى أسلوب الاستفزازات العسكرية. تعتبر هذه اللعبة خطرة لأن الوضع قد يخرج عن السيطرة الأمر الذي قد يشعل فتيل الحرب الشاملة في ظل وجود هذه الإدارة الأمريكية القوية عسكريا وحتى على صعيد خطابها السياسي.

‭{‬ المؤلف مدير البحوث في مركز البحوث والدراسات وبروفيسور في مركز البحوث السياسية ريموند آرون

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news