العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

هل يملك ترامب سياسة خارجية؟

بقلم: ماريو دلبيرو

الأحد ١٤ يوليو ٢٠١٩ - 10:47

 

نعم، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمتلك عقيدة محددة في السياسة الخارجية وهي عقيدة تقوم على خليط من الواقعية والقومية والحمائية والنزعة العسكرية. هذه هي الأعمدة الأربعة التي تقوم عليها السياسة الخارجية التي ينتهجها سيد البيت الأبيض، سواء فيما يتعلق بالعلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم أو فيما يتعلق ببقية القضايا الأخرى المطروحة في العالم. 

إن العقيدة هي التي تظهر الرؤية التي يحملها كل رئيس يقود الولايات المتحدة الأمريكية بشأن العالم والقضايا الدولية والكيفية التي يحدد بها كل رئيس أمريكي المصالح الأمريكية الحيوية، إضافة إلى أهداف وسائل العمل التي تتبناها سلطات واشنطن للتحرك على الساحة الدولية. 

يتم وضع هذه الرؤية في جزء منها باعتبار اتجاهات الرأي العام، الداخلي والخارجي، والتي تأخذها القوة الأمريكية بعين الاعتبار، رغم أنها هي التي تظل تهيمن على النظام الدولي وتحدده بما يخدم مصالحها. ظلت الولايات المتحدة أيضا تأخذ هذه الأمور بعين الاعتبار من أجل بناء توافقات داخلية وخارجية على حد السواء والخروج في نهاية المطاف بجملة من الخيارات السياسية الخارجية والداخلية. 

الرئيس دونالد ترامب يمتلك بدوره عقيدة تصنع سياسته الخارجية عقيدة واضحة، وقد تكون أيضا أقل غموضا والتباسا من السياسات الخارجية التي كان ينتهجها أغلب الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه في البيت الأبيض. تقوم السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس ترامب على أربعة أعمدة أساسية وهي كالتالي: 

الواقعية المعلنة 

ينظر الرئيس ترامب إلى السياق الدولي على أنه يمثل ساحة لا تحكمها أي قواعد، يخوض فيها اللاعبون الرئيسيون منافسة هيكلية. هذا يعني من منظور دونالد ترامب أن نجاح أي طرف في هذه الساحة الدولية يمر بالضرورة عبر هزيمة الطرف الثاني، وهو ما يفسر علاقته الصدامية بالصين وتوتر علاقته مع الاتحاد الأوروبي.

قد يبدو الخطاب الذي ينتهجه الرئيس دونالد ترامب أحيانا فظا أو كاريكاتوريا لكنه يرتقي في حقيقة الأمر إلى مستوى الخطاب السياسي الذي نجده في أهم الوثائق الاستراتيجية التي وضعتها الإدارة الأمريكية، وخاصة منها استراتيجية الأمن القومي التي تعود إلى سنة 2017، أو استراتيجية الأمن القومي، التي رسمت سنة 2018. 

تحدد هذه الوثائق بكل وضوح ودقة أعداء وخصوم الولايات المتحدة الأمريكية؛ أي روسيا والصين وإيران. تطالب هذه الوثائق بضرورة العمل بلا هوادة على حماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا الاطار تندرج الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين والتوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران.

النزعة القومية 

لقد رفع الرئيس دونالد ترامب شعار «استعادة عظمة الولايات المتحدة الأمريكية» حتى من قبل فوزه في الانتخابات ودخوله إلى البيت البيض. أصبح هذا الشعار يطغى أيضا على خطابه السياسي وهو يترك مثل الشعارات التي نجدها على القبعات والقمصان التي يضعها الرياضيون الذي يمارسون رياضة البيسبول.

في هذا العالم الفوضوي والمتوحش، إما أن ننتصر وإنما أن نندثر؛ إما أن نكون أقوياء أو ضعفاء، لا مكان في هذا العالم للحلول الوسط. لعل هذه النزعة القومية هي التي تمثل أهم أركان عقيدة دونالد ترامب السياسية الخارجية. هذه العقيدة ترفض أيضا تلك الرؤية التي تتحدث عن وجود تقاطع أو التقاء بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح الإنسانية وهو ما يعد خروجا عن التقاليد القومية الأمريكية أيضا. 

في عقيدة السياسة الواقعية التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب، لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر دولة مختلفة تمثل الاستثناء أو تمتاز بسموها الأخلاقي. فقد تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى دولة مجندة لحماية مصالحها بعيدا عن أي مبادئ أو قيم أخرى وهي لا تتورع عن استعراض قوتها العسكرية من أجل الدفاع عن مصالحها الحيوية. «هل تعتقدون أن الولايات المتحدة الأمريكية بريئة إلى هذا الحد؟» ذلك ما قاله الرئيس ترامب في إجابته على سؤال الصحفي البارز بيل أورايلي الذي اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه قاتل. 

السياسة الحمائية

بدأت إدارة الرئيس ترامب تنتهج سياسة حمائية تحت شعار «استعادة العظمة الأمريكية وقد انعكس على السياسة على علاقاتها التجارية مع بقية دول العالم -خاصة خصومها المباشرين- وفي مقدمتها الصين. تعتبر إدارة ترامب أن العجز الضخم في الميزان التجاري يمثل هزيمة صريحة للولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يفسر سعي ترامب وباقي أركان إدارته لعكس مسار الاندماج في الاقتصاد العالمي لأنه مثل هذا التمشي من شأنه أن يضعف الولايات المتحدة الأمريكية. 

النزعة العسكرية

تتجلى هذه النزعة الحربية في طبيعة الخطاب السياسي الذي أصبح ينتهجه الرئيس دونالد ترامب وهو يستند في هذا الصدد إلى التفوق العسكري الساحق الذي تظل الولايات المتحدة الأمريكية تمتاز به وهو ما يتضح من خلال ميزانياتها العسكرية الضخمة وصناعتها الحربية المتطورة وغيرها من العوامل الأخرى التي تجعلها تتفوق على كل الدول الأخرى بلا منازع. 

في مشروع الميزانية لسنة 2019. طلب الرئيس دونالد ترامب زيادة ضخمة في النفقات العسكرية. يجب ألا ننسى في هذا الصدد الاعتبارات والحسابات السياسية والانتخابية التي لا تخفى على أحد في سنة انتخابية بامتياز. فالجيش الأمريكي يظل يمثل المؤسسة التي تحظى بأكبر قدر من التقدير والإعجاب والاحترام في الولايات المتحدة، وخاصة في قاعدة الناخبين الأمريكيين المحافظين. لا شك أيضا أن هذه النزعة العسكرية تسهم أيضا في الحفاظ على الوفاق في داخل الولايات المتحدة الأمريكية. 

لا تخلو عقيدة دونالد ترامب على صعيد السياسة الخارجية من التناقضات وهي تعتبر حتمية. يسعى الرئيس ترامب بكل وضوح إلى تعبئة الرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تبني خطاب عنيف ومغرق في القومية وهو ما يثير ردود أفعال منتقدة خارج الولايات المتحدة الأمريكية. أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للبحوث أن دونالد ترامب قد يكون أقل الرؤساء الأمريكيين شعبية في فرنسا.

قد تؤدي السياسة الحمائية التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب إلى رفع أسعار البضائع المستوردة بسبب الضرائب المفروضة عليها، وخاصة البضائع الصينية إلى تستهلك على نطاق واسع في المجتمع الأمريكي. يلعب الاستهلاك دورا مباشرا لكنه جوهري في التطورات الاجتماعية كما يعد من المؤشرات الاقتصادية المهمة. 

يجب أن نقول أيضا إن السياسة الواقعية التي ينتهجها الرئيس ترامب (realpolitik) تصطدم بتشابك المصالح بين مختلف الدول بسبب عالمية الاقتصاد والنظام الدولي الحالي. هذه السياسة الحمائية لا تقدم الأجوبة الملائمة للتعامل مع تحديات النظام العالمي الحالي، وفي مقدمتها التغييرات المناخية. 

يمكن القول أيضا إن النزعة العسكرية الحربية التي يعبر عنها الرئيس دونالد ترامب تصطدم بمعارضة جانب لا يستهان به من الرأي العام الأمريكي للدخول في أي مغامرة عسكرية جديدة. رغم هذه الانتقادات والمآخذ يمكن للرئيس دونالد ترامب القول بأنه يمتلك سياسة خارجية. 

‭{‬ مؤلف كتاب: «عهد أوباما» 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news