العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

خرفة الجنة!!

إن عطاء البلاء لا يتوقف على من يقع به البلاء، بل يتسع ليشمل من له علاقة بالمريض أو المبتلى، سواء كانت هذه العلاقة قريبة أو بعيدة. إن لزوار المريض من إخوانه نصيبا من هذا العطاء في مقابل ما يقدمونه إليه من مواساة، وتصبير على ما أَلَمَّ به من بلاء.

إذاً، فهناك جوائز أعدت للزائرين لأهل البلاء، إذ وعد الإسلام بها هؤلاء الزائرين، فعن ثوبان (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال:[ جناها] رواه مسلم. جناها: ما يجنى من الثمر.

وتشبيه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) الطرق التي يسلكها المسلم عند زيارته لأخيه المريض بما يجنى من الثمر فيه إشارة إلى توالي العطاء الذي ليس له حدُّ معروف، وأن المسلم وهو ذاهب إلى زيارة أخيه المريض لا يمشي في طرقات قاحلة، خالية من الزروع والورود والأزاهير، بل هو يخوض في أرض مزروعة، مليئة بالأشجار المثمرة، وتحفها الروائح الجميلة، والمناظر التي تشيع البهجة في قلوب الزائرين.

واستحضار الأشجار والثمار والحدائق ذات البهجة في الحديث عن العلاقات الاجتماعية منهج يتبعه القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، وذلك ليوثق العلاقة بين الإنسان والوجود من حوله، كقوله سبحانه وتعالى: «وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون» الأنعام/99.

والحق سبحانه وتعالى حين يتحدث عن الكلمة الطيًبة التي تشيع الأنس والفرح، وتشير إلى نماء الخير وتعاظمه، يعقد مقارنة بين الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة، يقول تعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25)» إبراهيم.

ومثلما تنمو الأشجار، وتتكاثر ثمارها بإذن الله تعالى، فكذلك حال الكلمة الطيبة تنمو وتتكاثر بركتها، فإذا كان هذا حال الكلمة الطيبة، وهذا هو أثرها من المسلم إلى أخيه المسلم في أوقات الصحة والقدرة، فما بالكم حين يقولها المسلم لأخيه المبتلى من المسلمين في المرض والعجز؟!

إن كلمات المواساة والوعظ لها فعل السحر (الحلال) في نفس المريض أو المبتلى بأي بلاء، ويشعر المريض حين يسمع هذه الكلمات من عواده وكأنها معروف يسدونه إليه، ويتمنى المريض ساعتها لو يملك ما يكافئهم به، وما علم أن الذي شجعهم على زيارته قد أعد لهم من الجوائز والمنح ما تطيب به نفوسهم، وتطمئن إليه قلوبهم، فهو سبحانه الذي دعاهم الى زيارة عبده المبتلى، وهو جل جلاله سوف يتكفل بالإنعام عليهم بالعطايا والمنح.

نعم حين يزور المسلم أخاه المريض، فإنه يمشي في أرض خصبة فيها البركة أشجاراً مثمرة، مليئة بالثمار، وارفة الظلال، عذبة الماء، وتعطر أنسامها الروائح الجميلة، ويشعر العائد لأخيه المريض وكأنه ذاهب إلى حفل فيه أفراح، وأنه سوف يلتقي إخوة له قد سبقوه إلى هذا الحفل، وسوف يشعر بالبركات والرحمات تتنزل عليهم، وتحفهم من كل جانب، وستمضي الساعات بهم وكأنها دقائق، وربما ثوان، وسوف يعطر سمعه ويرطب وجدانه دعوات أخيه المريض، وهو يسأل الله تعالى أن يغفر لكل من زاره، وأن يكافئهم على حسن صنيعهم، ويبارك لهم في ممشاهم إليه، ويسأله سبحانه لهم ألا يصيبهم مكروه في أنفسهم، أو فيمن يحبون من أهل وولد.

إنها زيارة ميمونة مباركة لا يعود منها الزائر خالي الوفاض، بل يعود منها محملاً بالهدايا والأعطيات، وما الغريب في ذلك ومجيب الدعوات سبحانه أول الزائرين لعبده المبتلى، وهو أول من يدعو له بالشفاء، وهو الذي وعده بحسن الثواب على صبره ورضاه عن مولاه سبحانه وتعالى الذي ابتلاه لحكمة يريدها له علمها أو لم يعلمها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news