العدد : ١٥٢١٢ - السبت ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٢ - السبت ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ثروة لا يرغب فيها أحد

يحسدني كثيرون من أقاربي ومعارفي وقرائي على شبابي الدائم، ولأنني ورغم مرور السنين ثابت في سن كذا وأربعين، بعد صمود دام طويلا في سن التاسعة والثلاثين، ودليل الحسد والحقد هو أن جميع التهاني التي تأتيني بمناسبة «عيد ميلادي المجيد» لا تكن تخلو من التريقة، وتكون من الشاكلة التي زعم صاحبي أنه يقوم برفع معنوياتي وقال لي ان الإنسان يصبح اكثر ثروة كلما صار عجوزا: شعرك يتحول الى فضة، وأسنانك تصير من ذهب، والكلاوي تمتلئ بالأحجار (الكريمة؟)، ويصير عندك سكر في الدم ويتراكم الرصاص في قدميك والحديد والكالسيوم في أوعيتك الدموية.. وفوق هذا كله يكون لك احتياطي ضخم لا ينضب من الغاز الطبيعي فتصبح من كبار مصدري وبائعي الغاز (إذا وجدت زبونا عبيطا).

هل من الذوق تزويد شخص يعاتب الناس لأنهم لم يقدموا له الهدايا في ذكرى مولده بمثل تلك المعلومات المحبطة؟ علما بأنني أساسا أرفض أو أنكر التقدم في السن لأن امتلاك الثروات من معادن وأحجار كما أعلاه دليل “فقر” في مجال الصحة، وحسب معلوماتي التي استقيتها من مصادر شخصية فإنني لا أملك من تلك الثروة سوى الفضة على الرأس، وقد نتجت عن النبوغ المبكر، فقد حفظت معظم جدول الضرب قبل أن أكمل العشرين (قولوا ما شاء الله).. صحيح نسيت معظمه ولكن أيضا ليس بسبب عامل السن، ولكن بسبب الموبايل الذي صار بديلا للساعة ومفكرة الجيب والمنبه الذي يرن لإيقاظك، كما أنني أمتلك ثروة طيبة من الزئبق والرصاص في حشوات أسناني.

وبرغم هذا أقول عن ثقة بأن من يعرفني جيدا، يعرف أنني لست متصابيا، بدليل ان الشعر الأبيض الذي يكسو رأسي «صبغة».. (استغفر الله)، ولا أنكر عمري الحقيقي إذا تطلب الأمر «الإعلان» عنه، ولكنني لا أحب أن يسألني شخص عنه، ولا أميل الى الشكوى من عامل السن وجعله شماعة للنقنقة والطنطنة، وقد كتبت مرارا عن عزوفي عن مجالسة بعض من هم في عمري او حتى أصغر مني، ولكنهم لا يفتأون يذكرون أنفسهم بأنه «راحت عليهم».

ظهري بالذات يذكرني بأنني ودعت الشباب، فقد صار كلما استيقظت في الصباح يصدر طقطقة كنت أحسبها في بادئ الأمر صادرة عن السرير المصنوع من الخشب الأصلي المغشوش.. لابد ان أمشي في هيئة علامة الاستفهام لنحو سبع خطوات حتى تتوقف الطقطقة والألم الذي يصاحبها. (تذكرت طرفة البخيل الذي كان يحمل هاتفه في جيب البنطلون الخلفي وجلس في السيارة وسمع طقطقة وصاح: يا رب يكون ظهري)؛ وهناك أمر آخر يسبب لي حرجا شديدا، ألا وهو- كما شكوت هنا في مقال الأسبوع الماضي- إن ذاكرتي لم تعد قادرة على تخزين الأسماء، ربما لأنها «فُل»، ليس بمعنى «وردة»، ولكن بمعنى أنها صارت ممتلئة ولا تقبل الإضافات، ولكن الكارثة هي أنها صارت تمحو الأسماء القديمة التي ظلت مخزونة فيها منذ أيام الدراسة، ما جعلني أتضايق من تلك النوعية من الناس التي تلتقي بك بعد طول فراق وتقول لك: أكيد ما عرفتني (وهل أنت آينشتاين أو المتنبي أو شعبولا كي أعرف من تكون؟)، ونساء بلدتنا بدين في شمال السودان النوبي على وجه الخصوص يعشقن إحراجي: أيقا إربرونا؟ هل عرفتني؟ ولا أتردد في الرد: إربرامو.. لم أعرفك (وهل أنت باسكال مشعلاني أم ليلى علوي حتى احتفظ باسمك وملامحك في ذاكرتي أنا الذي غادرت بدين صبيا ولم أعد إليها، ثم غادرت السودان قبل قرابة 35 سنة؟)؛ في واقع الأمر أحس بالحرج معهن وأطيب خاطرهن بالتعلل بسنوات الفراق الطويلة، وما ان تذكر اسمها حتى «أنزِّل» شجرة عائلتها واسألها عن سكينة وخالتي مياسة وشقيقها دولي - وهو اسم نوبي صرف يعني «الكبير» وأحيانا يكون «دولا» بضم الدال - ما يجعلها تحس بأن نسيان اسمها «شدة وزالت».

باختصار: التقدم في السن ليس عارا حتى نتنصل منه، ولا كون فلان شابا صغيرا يعني أنه لا يفهم ولا يحسن التصرف كما يعتقد بعض العواجيز الحاقدين.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news