العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

دراسات

قراءة في تقرير يناقش «قضية ضم إسرائيل للقدس الشرقية»

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الأربعاء ١٠ يوليو ٢٠١٩ - 10:25

الأخبار المُتناولة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي غالبا ما تدور هذه الأيام حول قضايا أهمها على سبيل المثال، «صفقة القرن» وهي مبادرة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» لحل هذا الصراع، وتداعيات قراره بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارته إليها والأوضاع المزرية التي يعيشها أهالي قطاع غزة، نتيجة الحصار المفروض عليها والتوسع في بناء المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية، غير أن هناك قضية مهمة يتم تجاهلها، وهي ضم إسرائيل للقدس الشرقية والتي احتلتها في حرب يونيو 1967، ولكنها لم تدمجها رسميًّا في الدولة، باعتبار أنها قد تتنازل عنها في يوم من الأيام لتكون عاصمة لفلسطين المستقلة في إطار حل سياسي مع الفلسطينيين. دعم ذلك مقترح حل الدولتين القائم على أساس أن القدس الشرقية ضرورة لتحقيق السلام. ومع ذلك فإن ممارسات الحكومة الإسرائيلية اليوم تظهر خطوات مغايرة، حيث تبذل جهودًا لضمها بالكامل، وإدماجها رسميا لتكون مع القدس الغربية عاصمة إسرائيل؛ في خطوة غير شرعية ومخالفة للاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية وللقوانين والقرارات الدولية. 

فى ضوء ذلك، صدر تقرير عن «مجموعة الأزمات الدولية» ببروكسل في يونيو 2019 حول قضية ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية، يُحلل بشكل شامل أسباب وكيفية حدوث هذا الضم غير الشرعي، وكذلك النظر في أفضل الطرق التي يمكن من خلالها إعاقته.

ولا تُعد عملية ضم الأراضي بالقوة من قِبل إسرائيل جديدة، فكما قال «جيفري آرونسون»، من «معهد الشرق الأوسط»: «عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدار أكثر من نصف قرن، بعزم في سياسات ضم الأراضي التي احتلتها عام 1967»، ويضيف أنها «تحدت طوال هذه الفترة، الإجماع الدولي المُعارض لسياستها المتمثلة في «خلق حقائق على الأرض»، حيث أظهرت عزمًا على السيطرة على الضفة الغربية والقدس الشرقية رغم المعارضة الدولية غير الفعالة» كما يقول التقرير.

وفي الوقت الراهن، فإن إسرائيل توسعت في بسط سيطرتها على القدس الشرقية، ولكن لا ترقى إلى مستوى ضم هضبة الجولان، وما ينتقده التقرير هو سلسلة التغييرات السياسية التي تسمح للحكومة الإسرائيلية بممارسة سيطرة أكبر ستمهد الطريق لضم رسمي في نهاية المطاف. وربما كانت أهم هذه التغييرات هي «الخطة الخمسية» التي اعتمدتها إسرائيل في مايو 2018، والتي تعهدت بإنفاق 350 مليون دولار في القدس الشرقية لأغراض تنموية.

والهدف المعلن من ضخ هذه الأموال كان تحسين الظروف المعيشية للسكان الفلسطينيين الذين يُشكلون أغلبية عن طريق توفير الوظائف والاستثمار في الخدمات العامة التي من المتوقع أن تؤدي إلى تراجع المشكلات الاجتماعية مثل الجريمة والإرهاب، ولكن اتضح أن هذه المبادرة ما هي إلا واجهة يمكن من خلالها تعزيز وتعظيم وجود الدولة الإسرائيلية في القدس الشرقية، ومن ثم تأكيد سيادتها عليها على حساب السيطرة الفلسطينية المحلية. ولعل ما يُسهل تسريع الخطة الخمسية لتهويد القدس الشرقية، هو الوجود الإسرائيلي الأكبر بالقدس الشرقية مع تجاهل إسرائيل الجسيم للوجود الفلسطيني في المدينة. 

ومن خلال ذلك، يُحدد محللو «مجموعة الأزمات الدولية» منهجين أساسيين يوضحان النوايا الحقيقية للحكومة الإسرائيلية في تهويد القدس الشرقية هما: أولاً: تسجيل جميع الأراضي في القدس الشرقية في سجل الأراضي الإسرائيلية. وثانيا: السياسة الموضوعة حديثًا لتوجيه المدارس في المنطقة إلى استخدام المناهج الإسرائيلية.

ويعد تسجيل الأراضي محاولة أكثر مباشرة لتأكيد السيطرة عليها؛ إذ بُنيت معظم منازل الفلسطينيين في المنطقة من دون حصولهم على إذن من السلطات الإسرائيلية، التي عادة ما كانت غائبة عن المنطقة منذ عقود. وتسمح المتطلبات الجديدة لتسجيل الأراضي والمنازل التي تمت الموافقة عليها واعتمادها قبل أو أثناء أو بعد بنائها للسلطات الإسرائيلية أن تعتبر معظم هذه المنازل غير شرعية، وعليه تُصبح عُرضة للإزالة، وسيُفضي هذا إلى مغادرة كثير من الفلسطينيين منازلهم وإتاحة الفرصة أمام الحكومة الإسرائيلية لتشجيع تدفق المستوطنين لدعم سيطرة الحكومة على المنطقة في السنوات القادمة. 

يضاف إلى ذلك التشريعات أو مبادرات رؤساء البلديات المحلية لتوحيد المنطقة. فعلى سبيل المثال ضغط أعضاء حزب اليمين المتطرف في الكنيست على مدى سنوات لتمرير «قانون القدس الكبرى» الذي من شأنه توسيع الحدود البلدية للمنطقة لتشمل المستوطنات الإسرائيلية الموجودة فيها في الوقت الحالي إلى جانب المناطق الفلسطينية الأربع (كفر عقب، وعناتا، والسواحرة، والولجة). وبدوره، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في عام 2017 دعمه المعنوي للمخطط على الرغم من كونه ينتهك القرارات الدولية. 

ويُمكن تمييز الدافع الرئيسي وراء هذا الضم البطيء غير الرسمي للقدس الشرقية لكونه راجعا إلى المصالح الأيديولوجية والعملية لإدارة نتنياهو القومية اليمينية. ويعد توسيع قبضة إسرائيل على القدس ككل، هدفًا رئيسيا للحكومة لسنوات، كما أنه يخدم الكثير من أجندة السياسة المحلية الإسرائيلية. ويوضح التقرير ذلك قائلا: «تقريبا جميع أعضاء الائتلاف الحاكم الحالي- تماشيا مع غالبية الشعب اليهودي - يتفقون على ثلاثة مبادئ أساسية للسياسة»، «أن تكون القدس عاصمة لإسرائيل، وأن تشمل أجزاءً من القدس الشرقية المحتلة، بما في ذلك المدينة القديمة وضواحيها، وأن تكون ذات أغلبية يهودية».

ومن الثابت أنّ هذا التوجه في الغالب مدفوع بعقيدة إيمانية. وبالنسبة إلى اليهود الإسرائيليين، كما هو الحال بالنسبة إلى المسلمين والمسيحيين، تشغل مدينة القدس مكانا دينيا وثقافيا مؤثرا. لذلك يرى الصهاينة أن دمج المدينة بالكامل في الدولة الإسرائيلية؛ يُمثل طريقة لتأمين السيطرة اليهودية على أهم مواقعها ومعالمها المقدسة. وربما تتمثل الأهمية الأخرى في رغبة حكومة نتنياهو في استمرار سيطرة الغالبية اليهودية على المدينة. وتُشير الأرقام التي وضعها «معهد القدس لبحث السياسات»، إلى أن 17.000 شخص غادروا المدينة في عام 2017. بينما انتقل 11.000 شخص فقط إليها. ومن بين الذين غادروا 96% كانوا يهودا. لذا فمن المتوقع أن تؤدي هذه الهجرة الجماعية للمواطنين الإسرائيليين اليهود من المدينة إلى القضاء على الغالبية الديموغرافية للمجتمع الإسرائيلي هناك بحلول عام 2045. ومن شأن هذا السيناريو أن يقوض القدرة العملية للدولة الإسرائيلية على فرض السيطرة على المدينة بالكامل والحفاظ عليها، ومن ثم منع قدرتها على تأمين أهدافها الأيديولوجية وإلحاق الضرر بالهيبة الوطنية.

لكل ما سبق، يعتقد الكثيرون أن «نتنياهو»، إذا ما أعيد انتخابه في سبتمبر 2019. سيزيد من جهوده لضم القدس الشرقية. وذكر التقرير: أنه «يبقى الاحتمال الأقل حدوثا هو ظهور ائتلاف يتزعمه أو قد يشمل وسطيين، مثل (حزب أزرق- أبيض)، يكون أكثر تقبلاً للنداءات الدولية بالتوقف عن تغيير الوضع القانوني للسكان الفلسطينيين في المناطق الواقعة بين الجدار الفاصل والحدود البلدية للقدس». بيد أن هذا السيناريو غير مرجح، في ظل افتقار الكتلة الوسطية إلى المقاعد الكافية في الكنيست لتشكيل أغلبية.

ويبقى الأهم، وهو الدعم غير المحدود الذي يتلقاه «نتنياهو» وحكومته اليمينية من قبل واشنطن، خاصة بعد أن تخلت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب عن عقود من معايير السياسة الخارجية فيما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وبدلاً من ذلك، اتبعت طريقًا لتقديم دعم أحادي الجانب لإسرائيل في تأمين مصالحها. وهو ما أدى إلى حدوث عدد من التطورات الضارة؛ بدءًا من اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017، ونقل سفارتها إلى هناك، وقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية.

وبصرف النظر عن دور هذه التحركات في تقويض عملية السلام، فإنها قد شجعت «نتنياهو» على زيادة تعزيز الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويؤكد التقرير: «أن هذه الخطوات شجعت السياسيين على ضم القدس الشرقية، مع إدراكهم أن مثل هذه الخطوات كانت مستحيلة في الماضي؛ بسبب المعارضة الدولية». وعلى نحو مماثل أشار «ستيفين كوك» من «مجلس العلاقات الخارجية» بنيويورك إلى أن «حكومة الولايات المتحدة لم تعد تعترف بالأراضي الفلسطينية باعتبارها محتلة، بل وفرت غطاء سياسيا ودبلوماسيا لضم إسرائيل للضفة الغربية ببطء، بما في ذلك القدس الشرقية». كما أن الحكومة الإسرائيلية تبنت في مايو 2018 خطة خمسية لضم القدس الشرقية التي تعتبر محتلة بالعرف الدولي.

 ولعل العامل الآخر الذي شجع إسرائيل على الإسراع في عملية ضم القدس الشرقية هو العجز الراهن الذي يعاني منه المجتمع الدولي. وعلى نحو تقليدي، كان المجتمع الدولي يدين ضم إسرائيل لمزيد من الأراضي الفلسطينية، وقد تمت الإشارة إلى فلسطينية القدس الشرقية نفسها في عدد من قرارات الأمم المتحدة، وأهمها: (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 في عام 1947، وقرار مجلس الأمن رقم 252 في عام 1968. وقرار مجلس الأمن 267 في عام 1969، وقرار مجلس الأمن 465 في عام 1980، وقرار مجلس الأمن 2334 في عام 2016 حول الاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية). 

ويتناول التقرير أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي والدول العربية ذات الصلة أن تستخدم كل ما لديها من نفوذ لمنع إسرائيل من ضم الأراضي الفلسطينية». وعلى الرغم من أن هذا الاقتراح يتسم بالصواب فإنه  فشل في إحداث تغيير في سلوكيات إسرائيل الاستيطانية في الماضي، ما جعل هذه الجهود والقرارات الدولية تفقد جدواها. وفي الواقع، أصبح المجتمع الدولي اليوم فاقدا للفاعلية، بعد أن تحولت الدول الأوروبية إلى الاهتمام بشؤونها الداخلية وفقدت تركيزها إزاء البحث عن حلول للقضية الفلسطينية وسط الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها، في الوقت الذي يسعى فيه عدد متزايد من الدول العربية والإسلامية إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، ما يؤدي إلى تخليها عن القضية الفلسطينية، في حين تفتقر معظم الدول الأخرى إلى قوة النفوذ والتأثير الكافي على إسرائيل لإحداث أي تغيير في سلوكياتها.

ومن ثم، يبدو غير كافٍ أن يتم الاعتماد على عملية حث المجتمع الدولي على التحرك ومواجهة عملية ضم إسرائيل للقدس الشرقية، لكونه الحل الحقيقي الوحيد لإعاقة المخططات الإسرائيلية التي تتم الآن على قدم وساق. 

ومن ثمّ، ذكر التقرير أنه ربما يكمن أفضل السبل، في تعاون الجماعات الفلسطينية معًا في القدس الشرقية، وهو الأمر الكفيل بردع إسرائيل عن مواصلة مشروع الضم، كما حدث مع إخراج القوات الإسرائيلية من غزة خلال منتصف العقد الأول من القرن العشرين. ومع ذلك، يقدم التقرير، تفسيرًا لصعوبة إعاقة مشروع الضم الإسرائيلي للقدس الشرقية، بقوله: «إن شكل الضم الذي يحدث عبر الهيمنة الثقافية والسياسية والاقتصادية الإسرائيلية على أراضي القدس الشرقية يجعل من الصعب على المجتمع الدولي أو الجماعات الفلسطينية ذاتها منع هذا الأمر». مضيفا أنه «ما لم يحدث تحول في السياسة الإسرائيلية والأمريكية قريبًا تجاه الفلسطينيين، فإن التوقعات بإعاقة عملية الضم التدريجية من جانب إسرائيل للقدس الشرقية قد تبدو ضعيفة للغاية».

وبالنظر إلى الآلية التي ينبغي أن ينتهجها الفلسطينيون لمواجهة هذه المخططات، أوضح تقرير لـ«ميدل إيست آي» أن ذلك لن يتم إلا عن طريق «النضال السلمي والمدني، على غرار حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وتسليط العقوبات على الكيان الإسرائيلي». مع ضرورة أن تعمل السلطة الفلسطينية على استعادة الحركة الوطنية الفلسطينية لطابعها كحركة تحرر وطني، والتخلص من طابعها ووظائفها كسلطة، وإعادة بناء الكيانات الفلسطينية على أسس وطنية ونضالية وديمقراطية؛ وذلك لمواجهة أي تداعيات سلبية يمكن أن تقوم بها إسرائيل، كما أنه على الدول العربية الانتقال من حدود الشجب والإدانة إلى الحركة والفعل، فالموقف الفلسطيني والعربي لا بد أن يكون أكثر حسمًا؛ لإنهاء دور أمريكا المنحاز في عملية تسوية الصراع العربي الإسرائيلي.

خلاصة القول: إن وضع القدس لا يمكن أن يتحدد إلا عن طريق المفاوضات والقرارات الدولية ذات العلاقة؛ لذا فإن عملية الضم سوف تلقي بظلالها على احتمالات التوصل إلى حل الدولتين، كما يمكن أن تؤدي إلى كوارث حقيقية غير أن هناك سؤالا علينا أن نسأله: ما السيناريوهات الممكن حدوثها فيما لو أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد انتخابات سبتمبر 2019 على تنفيذ وعوده؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news