العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

دراسات

القوى الأوروبية والملف الإيراني.. عجز في مواجهة أمريكا

الأربعاء ١٠ يوليو ٢٠١٩ - 10:24

تحقيق سياسي من أورينت برس:

قوبلت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران بمعارضة غير عادية من أكبر ثلاث قوى أوروبية، وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وكذلك من الاتحاد الأوروبي ذاته.

مع ذلك، وبالرغم من وزنها الاقتصادي مجتمعة، وحضورها في العالم، فإن اللاعبين الأساسيين في أوروبا أثبتوا بشكل كبير أنهم عاجزون عن الوقوف في وجه السياسة الأمريكية. 

الحقيقة المرة هي أن أوروبا ليست لديها حتى الآن الأدوات ولا الإرادة لتستعرض تلك القوة، فاليورو العملة الأوروبية لا يمكن أن يكون بديلا موثوقا عن الدولار بصفته عملة للاحتياطي الأجنبي حتى تُجرى إصلاحات جذرية له، ومن دون عملة احتياطي موثوق بها فلن تستطيع القوة المالية لأوروبا أن تتنافس مع القوة المالية للولايات المتحدة، وهناك انقسامات عميقة في أوروبا حول ما إذا يتوجب عليها السعي لتكون قوة، بوجود بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي أو بغيابها.

«أورينت برس» أعدت التقرير التالي:

على مدى 15 شهرا، بعد أن انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر مايو من عام 2018 من الاتفاقية النووية، وقراره الذي تبع ذلك بفرض عقوبات على طهران، تنامى التوتر بين واشنطن وإيران، وخلال هذا الوقت كله حثت أوروبا الولايات المتحدة للعودة إلى طاولة المفاوضات، في محاولة للحفاظ على اتفاقية 2015، التي قامت بالتفاوض عليها كل من واشنطن والمملكة المتحدة وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا، لكن تلك الجهود لم تكلل بالنجاح.

سواء أحبوا ذلك أم لا، فإن على الأوروبيين الثلاثة الكبار (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) التجاوب مع العقوبات الجديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجمهورية الإسلامية، بما في ذلك الإعلان عن القيود الجديدة المفروضة على المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والأشخاص المقربين منه، وبعد هذا الإعلان، أعلن وزير الخزانة الأمريكية ستيفين مانتشين أنه يخطط لإدراج اسم المحاور الرئيسي للغرب وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى قائمة العقوبات، وهذا لا يضمن فقط قطع أي طريق للتفاوض مع طهران لتخفيف التوتر، لكنه يضع الجهود الأوروبية للمحافظة على الاتفاقية النووية على قيد الحياة في وضع محفوف بالمخاطر.

تحذيرات أوروبا

تجاهلت واشنطن تحذيرات أوروبا الخاصة والعلنية حول مخاطر التصعيد، وأثبت قرار أوروبا البقاء خارج نظام العقوبات الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر نوفمبر عدم فعاليته، ففي وجه الهيمنة المستمرة للنظام المالي الأمريكي، التي تؤكدها عملة الاحتياطي المالي العالمي، تلاشت أي قوة أوروبية، ويبقى الدولار هو الملك، وتبقى الولايات المتحدة كذلك، بغض النظر عن المكانة الدولية للرئيس الأمريكي الحالي. موقف واشنطن تجاه إيران أظهر أن السياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي تتحكم فيها أهمية الدولار في التجارة العالمية. وتحدد العقوبات الأمريكية السياسات العالمية، وما لم تكن هناك عملة ونظام بنكي عالميان سيبقى الأمر كذلك.

إن هذه الحقيقة، التي يعترف بها الدبلوماسيون والمسؤولون ومستشارو السياسة الخارجية الأوروبيون سرا، ألغت تقريبا أي مقدرة للضغط الأوروبي في الأزمة حتى الآن، لكنها أيضا سلطت الضوء مجددا على الانقسامات الداخلية في الاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية، وطموحاته المستقبلية بعد تصويت بريطانيا عام 2016 على مغادرة الاتحاد، وكشفت الأزمة المحتدمة بشأن إيران عن التوترات الأساسية في قلب الاتحاد الأوروبي، ونظرته إلى دوره المستقبلي في العالم: فهل يريد الاتحاد أن يكون قوة عالمية أم لا؟

ديون الاتحاد

لمنافسة القوة الاقتصادية الأمريكية فإن أوروبا تحتاج إلى عملة منافسة وسياسة مالية واحدة، لكن لتطوير مثل هذا البديل فإن اليورو يحتاج إلى إصلاح جذري تعارضه برلين بشدة، فألمانيا تخشى أن تتحمل مسؤولية ديون الاتحاد بسبب القوة الاقتصادية المختلفة للدول الأعضاء الـ19 التي تستخدم العملة، بالإضافة إلى أن برلين تخشى من أن تؤدي المنافسة الحقيقية للدولار إلى ارتفاع قيمة اليورو، وهو ما سيؤثر سلبا على نموذجها الاقتصادي القائم على التصدير الناجح للسلع، حتى أن مجرد التفكير في منافسة القوة الأمريكية يحتاج من أوروبا إلى إصلاحات جذرية لبناها وطموحاتها، وهي خطوة مثيرة للجدل، وخاصة في برلين.

كما أن عجز أوروبا عن فرض نفسها في الأزمة الإيرانية يكمن في لب أزمة أوروبا في توجهها، المشكلة أن فرنسا تريد أن تكون أوروبا قوة، وألمانيا لا تريد ذلك، فإن كنت تريد أن تكون قوة جادة يجب أن تكون لديك عملة عالمية جادة، فرنسا تريد ذلك، لكن ألمانيا لا تريده.

إلا أن التردد الألماني ليس وحده المسؤول عن ذلك، ففي عام 1997، أنفقت بريطانيا 2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، واليوم لا يصل هذا الإنفاق إلا إلى 2 في المائة وبريطانيا واحدة من القوتين العسكريتين الرئيسيتين في أوروبا والثانية هي فرنسا، وقال سفير دولة أوروبية كبيرة، إنه في الواقع هناك أربع أو خمس دول من الاتحاد الأوروبي لها سياسات خارجية، أما الأخرى فلا تريد ذلك، لأنها مقتنعة بوجود مستويين من الحماية يتمثلان في الحماية الاقتصادية الأوروبية والحماية العسكرية الأمريكية، وقال السفير إن القارة ليست لديها عملة واحدة، بل عدة عملات تسمى اليورو، لكنها تعمل بشكل منفصل، وذلك لأن الاتحاد الأوروبي فشل في تطوير بنى على مستوى أوروبا في هذا المجال.

العلاقات عبر الأطلسي

لا شك أن الأزمة الإيرانية كشفت عن ضعف أوروبا وقوة الولايات المتحدة، وهذا هو سبب فشل القارة الأوروبية في فرض نفسها بصورة ذات معنى. إن القوى الأوروبية ستقدم دائما علاقتها مع الولايات المتحدة على علاقتها مع إيران، إذا ما أخذنا في عين الاعتبار العلاقات الاقتصادية والأمنية مع واشنطن، وأظهرت الأخيرة أن لديها قوة ضغط على أوروبا وعلى إيران. فأوروبا لا تستطيع الوقوف في وجه المصالح والرغبات الأمريكية من ناحية اقتصادية أو دبلوماسية.

إن عجز الاتحاد الأوروبي الواضح خلال أزمة إيران يجب أن يكون حافزا للاتحاد على أن يصبح قوة أكثر تأثيرا على مستوى العالم، ويتحدى قيادة الولايات المتحدة للعالم. قصة إيران هذه أكبر بكثير من إيران. إنها تختزل تحولا بنيويا في العلاقات عبر الأطلسي. إن الاتفاقية التي بقيت منذ الحرب العالمية الثانية، بأن توفر الولايات المتحدة الأمن لأوروبا مقابل قبول قيادة الأمريكيين للتحالف، بدأت في الانهيار، وما نراه من حراك باتجاه الاعتراف بأن على الأوروبيين أن يطوروا استقلالية أكبر عملية مؤلمة، لأنها تبدأ من الاعتراف بأن العقد الاجتماعي بين أوروبا والولايات المتحدة لم يعد ساريا، وهذا أمر يذهب إلى أبعد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تقدير التهديد

إن استراتيجية أوروبا لم تكن من دون فائدة تماما، فلو قررت الدول الثلاث الكبرى في الاتحاد الأوروبي أن تتخلى عن الاتفاق النووي، وانضمت إلى الولايات المتحدة في الضغط على طهران، ربما كان حصل تصعيد أسرع للوضع، إلا أن القرار الأوروبي بالاستمرار في الدفاع عن الاتفاقية، بالرغم من قرار الرئيس ترامب الانسحاب منها، ترك مجالا لإيران أن تبقى داخل اللعبة.

ربما يكون عجز أوروبا هو السبب في أن معارضتها للإدارة الأمريكية مرت من دون عقوبة من الرئيس دونالد ترامب. كما أن المعارضة البريطانية لاستراتيجية الرئيس ترامب لم تتسبب في دق إسفين بين واشنطن وبريطانيا، الأمر لم يكن محل توتر خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس ترامب إلى لندن، فبريطانيا تتقبل أن الاتفاقية النووية «ليست مثالية»، بحسب ما قاله مسؤول كبير مطلع على طريقة تفكير رئيسة الوزراء تيريزا ماي، لكن المسؤول البريطاني يصر على أنها وضعت قيودا على التطور النووي الإيراني، وقال المسؤول: «لا نعتقد أن المزيد من الضغط على إيران سيأتي بالنتيجة المرغوبة. وأعتقد أنهم يفهمون أننا بالتأكيد نشارك في تقدير التهديد، مع ذلك نستمر في تأييدنا للاتفاقية النووية».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news