العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الحماية الدولية لناقلات النفط.. بين المسؤولية الدولية والقدرات الخليجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٨ يوليو ٢٠١٩ - 01:00

كانت -ولاتزال- قضية تأمين إمدادات الطاقة إحدى أهم القضايا التي تستحوذ على اهتمام دول العالم قاطبة لعدد من الأسباب منها؛ المسافات الطويلة التي تقطعها تلك الناقلات بين الدول المنتجة للنفط والمستهلكة له، والتي تمر بعدد من الممرات الاستراتيجية البحرية، بالإضافة إلى بدء استهداف ناقلات النفط كهدف سهل التنفيذ ذي خسائر فادحة. ففي أعقاب حادثتي استهداف ناقلات النفط في كل من بحر العرب وميناء الفجيرة الإماراتي ازدادت أسعار النفط بنسبة 3.4% وارتفعت كلفة التأمين على السفن التي تمر في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 10% الأمر الذي آثار تساؤلات عديدة ليس فقط حول المسؤولية الدولية بشأن حماية ناقلات النفط وخاصة مع استمرار توتر العلاقات الأمريكية- الإيرانية، بل حول حدود القدرات الخليجية للإسهام في حماية تلك الناقلات؟

تلك الحوادث وغيرها قرعت أجراس الإنذار بشأن التحديات الهائلة التي تواجه أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط عمومًا لسببين الأول: أن معظم حالات توقف إمدادات النفط عبر التاريخ كانت في تلك المنطقة، والثاني: خبرة الحرب العراقية-الإيرانية والتي استهدفت إيران خلالها 543 ناقلة نفط وسفينة في مياه الخليج العربي منها 160 سفينة أمريكية حيث استطاعت إيران إغراق 250 ناقلة نفط عملاقة وقتل 430 بحارا مدنيا. 

ويعني ما سبق أن العالم أمام تحد خطر، ما يثير عدة تساؤلات حول الخيارات المطروحة لحماية ناقلات النفط العملاقة والتي تقطع مسافات طويلة محفوفة بالمخاطر بين مناطق الإنتاج والاستهلاك وحدود مسؤولية الدول عن تلك الحماية؟

ولمواجهة تلك التحديات أثير خياران أولهما: إمكانية تخصيص وحدات لمرافقة السفن التجارية من أجل حمايتها ضد أي اعتداءات محتملة وذلك بالتنسيق بين الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها من دول الخليج، ومع أهمية ذلك الخيار تكتنفه عقبتان الأولى: أن الحديث لا يدور عن قوات عسكرية تقليدية ولكن عمليات غير تقليدية تتمثل في زرع ألغام بحرية، ما يتطلب خططًا مماثلة للتصدي لتلك المخاطر، والثانية: أنه بالنظر إلى الواقع الجغرافي للممرات المائية ومنها مضيق هرمز فإن عرض المضيق الضيق ربما لا يتيح تطبيق مثل هذا الخيار في ظل مرور عديد من ناقلات النفط في ذلك المضيق في وقت متزامن، وثانيهما: سعي الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي بحري لحماية ناقلات النفط حيث طالبت حلف الناتو بالانضمام إلى ذلك التحالف، ومع أهمية ذلك التحالف فإن ذلك يعيد إلى الأذهان قرار حلف الناتو إرسال قطع بحرية عالية التسليح لمكافحة القرصنة أمام سواحل الصومال وخليج عدن في عام 2012 ضمن تحالف دولي لهذا الغرض إلا أن أحد الانتقادات التي وجهت إلى قرار الحلف آنذاك هو أن تلك القطع البحرية لن يكون بمقدورها ملاحقة القوارب الصغيرة والحديثة التي يستخدمها القراصنة. 

ومع أهمية هذين الخيارين برأيي أنه في ظل التصريحات الأمريكية المتكررة بشأن استبعاد المواجهة العسكرية مع إيران فإن الردع يبقى أمرًا مهمًّا ومن ثم يمكن للولايات المتحدة دعم قدرات دول الخليج البحرية والتعاون معها للتصدي لمثل تلك المخاطر ولدول الخليج خمسة مقومات في هذا الصدد أولها: قدرة دول الخليج على العمل ضمن تحالفات لهذا الغرض وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى إعلان الأسطول الأمريكي الخامس بدء إجراء دوريات أمنية بحرية بالتنسيق مع دول الخليج في منطقة المياه الدولية في الثامن عشر من مايو 2019. ووفقًا لبيان الأسطول الخامس إن تلك الدوريات الأمنية «تستهدف زيادة الاتصالات والتنسيق مع الدول الخليجية بعضها البعض وذلك دعمًا للتعاون البحري في المنطقة والعمليات الأمنية البحرية»، وكان ذلك نتيجة عقد عدة اجتماعات بين مسؤولي الأسطول الخامس ودول الخليج حيث تم الاتفاق على تعاون سفن البحرية وحرس السواحل في دول مجلس التعاون بين بعضها البعض ومع البحرية الأمريكية، وثانيها: تأسيس آليات خليجية مشتركة لحماية الأمن البحري وتتمثل في قوة الأمن البحري (81) والتي تم إقرارها خلال القمة الخليجية الخامسة والثلاثين في المنامة والتي جاءت على غرار درع الجزيرة بيد أنها في الجانب البحري منها، بالإضافة إلى تأسيس مركز التنسيق البحري في ديسمبر 2013 بين دول المجلس بهدف تنسيق التعاون وتبادل المعلومات والتواصل مع مركز الأمن البحري بسنغافورة والذي يختص بعمليات الأمن البحري في دول شرق آسيا وبحر العرب، وثالثها: خبرة دول الخليج في مواجهة تهديدات الأمن البحري من خلال تبادل قيادة قوات التحالف العسكرية وهي القوة 150 وتختص بالأمن الملاحي ومكافحة الإرهاب، والثانية هي القوة 151 وتهدف إلى مكافحة القرصنة، بينما القوة الثالثة وهي 152 فهدفها التعاون بشأن أمن الخليج العربي، وتعمل تلك القوى تحت ائتلاف واحد وتستهدف مراقبة السفن وفحصها والإنزال عليها والسماح بمرور أو إيقاف الشحنات المشتبه بها في بحر العرب والمحيط الهندي من أجل تحقيق الأمن البحري، ورابعها: الوجود الخليجي في القرن الإفريقي والذي يعد منطقة جيواستراتيجية بالنسبة إلى مضيق باب المندب، سواء من خلال تأسيس بعض القواعد العسكرية أو طرح مبادرات تستهدف تعزيز الوجود الخليجي في تلك المنطقة ومنها المبادرة السعودية في ديسمبر 2018 لتأسيس تجمع يضم الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، وخامسها: حرص دول الخليج على تطوير قدراتها البحرية بشكل ملحوظ من أجل الدفاع عن حدودها البحرية، وقد تمثل ذلك في شراء السفن الصغيرة من أجل مضاعفة قدراتها بشأن تسيير دوريات بحرية حتى المناطق الاقتصادية الخالصة، بالإضافة إلى سعي دول الخليج لشراء سفن أكبر حجمًا وأكثر تطورًا من أجل الوصول إلى أعماق البحار الأمر الذي من شأنه أن يعزز قدرتها على حماية أمنها القومي بشكل كبير.

ويعني ما سبق أن العالم لم يعد لديه رفاهية الانتظار بشأن ذلك التحدي بل حتمية القرار حيث إن أمن الطاقة قضية تهم الجميع، صحيح أنها مرتبطة بحالة التوتر الإقليمي الراهنة إلا أن تأسيس آليات دائمة لحماية ناقلات النفط يبقى حاجة استراتيجية في ظل أمرين مهمين الأول: ما شهدته تلك الناقلات سابقًا من حوادث قرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن بما يعني أنها ستظل مستهدفة على الدوام، والثاني: قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على العمل معًا لمواجهة تهديدات الأمن الإقليمي ومن ذلك التحالف الدولي لمحاربة داعش وغيرها من مقترحات الأمن الإقليمي الأخرى.

ومع أهمية ما سبق يبقى التساؤل ليس فقط حول ماهية الآلية المقترحة لحماية ناقلات النفط التي تعد مسؤولية دولية بل حول من يقود تلك الجهود؟

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news