العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

المعية الإلهية

في البلاء عطاء، وأعظم هذا العطاء معية الإله وحضوره ليعود أصحاب البلاء حضورًا يليق بكمال صفاته، فهو سبحانه «ليس كمثله شيء» وكما قال الإمام مالك (رضي الله عنه) عن معنى (واستوى على العرش): «الاستواء معلوم والكيف مجهول»، فلله سمع وبصر وللإنسان سمع وبصر، فهل سمع الله وبصره كسمع الإنسان وبصره- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا.

ولله سبحانه قدرة وللإنسان قدرة، فهل قدرة الإنسان كقدرة الله سبحانه، وهكذا بقية الصفات التي لها مثيل أو شبيه عند الإنسان.

إذن، فمعية الله تعالى، وزيارته لعباده المؤمنين حين ينزل بهم البلاء نفهمها في ضوء قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)، يقول تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبوهريرة (رضي الله عنه) قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟) رواه مسلم.

يا لعظمة كرم الخالق سبحانه وتعالى، وعظيم عطائه: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده..!هل هناك حض وتشجيع على عيادة المرضى كهذا التشجيع، وذاك الحض؟ الله تعالى يقول للمقصرين في حق إخوانهم الذين أقعدهم المرض: (أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده!) وجودًا يليق بعظمته وكماله سبحانه.. وجود تكريم.. ووجود بركة، فدعاء المريض مقبول، ورجاؤه متحقق لأن مجيب الدعاء والرجاء أول الزائرين للمرضى زيارة تليق بكمال صفاته، وتنزهه عن كل نقص.

من عطاء البلاء ان يستجيب الإله إلى دعاء مرضاه ولا يعود عواده خالين الوفاض، بل يعودون بعد كل زيارة لمريض ومبتلى وهم يحملون الهدايا والعطايا، والمريض رغم ضعفه وعجزه وقلة حيلته يتميز على الأصحاء والذين لم يقع بهم البلاء في أن شفاعته مقبولة عند الله تعالى، وصحبته مباركة، وهداياه وعطاياهم ليست مقطوعة، ولا ممنوعة، ولا مجذوذة.

الله تعالى أول الزائرين ولن يكون سبحانه أول المغادرين، فهو جل جلاله لا يغادر أحباءه، بل يلازمهم لأنهم في معيته، ومعلوم أن العبد في الرخاء يعيش مع النعمة، ولكنه في البلاء يعيش مع المنعم سبحانه وتعالى.

إذن، فالله تعالى أول الزائرين لعباده المؤمنين الذين نزل بهم البلاء فاستقبلوا البلاء بالرضا والصبر والاحتساب، ورضوا عن إلههم المعبود، وعلموا أن له سبحانه فيما يجريه عليهم من بلاء حكما قد يدركها العبد في حينها، وقد يتأخر إدراكها لخير أراده الله تعالى لعبده المبتلى، والصبر على البلاء هو أولى علامات الرضا عن الحق سبحانه وتعالى، والرضا حتى يكمل، وتتحقق ثماره له شقان: الأول: الرضا بالبلاء، والثاني: الرضا عن الجزاء، وصدق الله العظيم: (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم» المائدة/119.

وعطاء الرضا متجدد لا يقف عند حد، فإذا أراد الله تعالى لك الزيادة أرضاك بالجزاء، فيتحقق لك شطرا الرضا، فيكون رضاك عن مولاك سبحانه وتعالى كاملاً تامًا، فصرت من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه سبحانه، وهذه منزلة لا تدانيها منزلة، ومقام كريم يتطلع إليه العباد والمتقون، ويبذلون في سبيل تحصيله والوصول إليه الغالي والنفيس من أموالهم وأوقاتهم، والله سبحانه وتعالى يَسر السبيل إليه، فلم يكلفنا ما لا نطيق من التكاليف، بل شرع لنا سبحانه وتعالى الرخص حين تتغير أحوالنا من الصحة إلى المرض، ومن القوة إلى الضعف، ومن الإقامة إلى السفر، وهو جل جلاله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

ليس مهما أن تكون كثير العبادة، فقليل دائم خير من كثير منقطع، ودرهم واحد سبق مائة ألف درهم، وشربة ماء على ظمأ تقدمها إلى كلب عطشان غفر الله تعالى بها لبغي، وإماطة غصن شوك عن الطريق حتى لا يتأذى به الناس قام به رجل فشكره الله تعالى على صنيعه هذا، بل كف أذاك عن الناس يكون لك به صدقة يتجدد لك عطاؤها، وتسجل في موازين حسناتك يوم القيامة!.

المعية الإلهية لأهل البلاء شرف لا يدانيه شرف، وكرامة لا تتحقق لكل الناس بل للمُصْطفين منهم، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ومن اقتفى أثرهم، وسار على هديهم. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news