العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

فلسفة البلاء (2)

لقد تحدثنا فيما سبق عن فلسفة البلاء وعن حكمة الله تعالى في البلاء الذي يجريه الحق سبحانه وتعالى على العباد، والبلاء لا يأتي على لون واحد، بل يتعدد بتعدد أحوال الإنسان، فمرة يبتلي الحق سبحانه عباده بالعطاء، ومرة يبتليهم سبحانه بالمنع، والسؤال الذي قد يتبادر إلى نفوس البعض هو: ما الحكمة من البلاء؟ وإذا كان هناك حكمة في المنع مع المعصية، فما الحكمة من العطاء مع المعصية؟ والعكس يثير التساؤل نفسه، إذا كانت هناك حكمة من العطاء مع الطاعة، فما الحكمة من دوام العطاء مع دوام المعصية؟!.

الحكم من البلاء كثيرة لا حصر لها منها: كشف حقيقة المؤمن، وهل هو مؤمن حقًا أم يتظاهر بالإيمان لينال مدح الناس، وثناءهم عليه؟!، هو تطهير للعبد المبتلى من الذنوب التي لم تطهرها العبادات، وخاصة أن العبد يؤدي العبادة ولا يعلم يقينًا القدر المقبول منها، هل تقبل جميعها أم يقبل بعضها ويُرد عليه البعض الآخر منها هنا يأتي دور البلاء لينوب عن العبادات المشكوك في قبولها أو في حجم هذا القبول، فيبتلي الله تعالى العبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة.

ومن حكمة البلاء أنه يبلغك منزلة يريدها الله تعالى لك لا تبلغها بكثرة صلاة وصوم وزكاة وحج، فيبتليك لترتقي، ثم يبتليك لترتقي حتى تبلغ تلك المنزلة بصبرك على البلاء واحتسابك الأجر من الله تعالى عليه، ويكون من حكم البلاء أيضًا محبة الخالق سبحانه لك، فإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.

وقد يكون من حكم البلاء أن يكون بمثابة جرس إنذار للعبد السادر في غيه، الغافل عن ربه سبحانه وتعالى، المشغول بالدنيا عن الآخرة، وقد تكون الحكمة من البلاء تعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، كذلك من حكم البلاء أن يستأثر الحق سبحانه بشيء من وقت عبده، فالعبد في الرخاء مشغول بالنعمة عن المنعم سبحانه، لكنه في البلاء مشغول بالمنعم جل جلاله عن النعمة حين يبغض إليه مولاه جميع النعم التي ألهته عن ذكر ربه سبحانه، فيردد العبد المبتلى الأدعية في طلب الشفاء ممن يملك الشفاء وحده من دون سواه سبحانه.

ومن الحكم أيضًا أن هذا الإنسان مخلوق ضعيف وإن ادعى غير ذلك، فهو لا حول له ولا قوة، لا يستطيع دفع الضر عنه أو جلب النفع له، ولهذا لا يحق له أن يستبد وأن يطغى كما قال فرعون لملئه: (أنا ربكم الأعلى). 

ومن الحكم أيضًا ترقيق قلب العبد وعطفه على الضعفاء من الخلق حين يرى نفسه ضعيفًا غير قادر على جلب النفع أو دفع الضر عنه، ويدرك حينها الحكمة من البلاء الذي نزل به.

وفي البلاء تصحيح لبوصلة الاتجاه عند العبد الذي تاهت به الخطى حتى أضاع الطريق، فينزل به البلاء ليعيده إلى طريق الاستقامة من جديد وذلك لبلوغ الغاية التي خلق من أجلها، ويستعيد وعيه وإدراكه حتى يعود إنسانًا صالحًا في ذاته مصلحًا لغيره.

كل هذا وغيره كثير من الحكم التي قد نعرفها وقد لا نعرفها عن البلاء الذي هو سبب في العطاء، وأن نرضى، وأن نصبر إيمانًا بالحكيم سبحانه لا بالحكمة التي لم يأت زمانها بعد لحكمة يريدها الله تعالى لنا، وللخير العميم الذي أخفاه الله تعالى في بلائه لنا، عندها يتداعى العطاء لنا من كل جانب: عطاء في البلاء، وعطاء في الصبر عليه، والرضا به واحتساب الأجر عند الله تعالى، ونعلم أن تحقق الثواب على البلاء ليس مرتبطًا ولا متوقفًا على معرفة الحكمة منه، بل أنت تُؤجر بمجرد الرضا به والصبر عليه عرفت الحكمة منه أم لم تعرفها، وحتى لا يكون العمل بالأوامر والنواهي بسبب الحكمة التي تبدو منها، بل بسبب الإيمان بالحكيم سبحانه، ويجب أن يكون هذا متحققًا ابتداءً.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news