العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل يعود العالم إلى الحرب الباردة؟

الثلاثاء ٢٥ يونيو ٢٠١٩ - 10:16

بقلم: آلان فراشون 

«لقد كنا في حال أفضل في الماضي، في ظل الحرب الباردة، عندما كان العالم واضح المعالم، ثنائي القطبين». 

ذلك ما أصبح يردده البعض في كتاباتهم وتصريحاتهم هذه الأيام، تعبيرا منهم عن موقفهم من حالة الفوضى والغموض التي تسود العالم الحالي المتعدد الأقطاب. 

بطبيعة الحال فإن المشاكل الاستراتيجية الراهنة لا تسلم بدورها من آفة الحنين إلى الماضي الذي كنا نخاله قد ولى وانتهى. أصبحت هذه الأفكار التي تشي بكثير من الحنين إلى الماضي تتردد في الغرب المرهق والمستنزف القوى في بداية القرن الحادي والعشرين. 

بل إن هؤلاء الذين يحنون إلى الماضي يتأسفون على نهاية الحرب الباردة التي كانت، بحسب نظرهم، تلعب دورا كبيرا في بناء النظام العالمي الثنائي القطبين ما بين الاتحاد السوفيتي من ناحية، والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية ثانية. كان العالم الثنائي القطبين يعيش في مأمن في ظل توازن الرعب تحت الصواريخ المحملة بالرؤوس النووية السوفيتية والأمريكية والتي كانت تضمن في رأيهم الاستقرار الذي بات يفتقده العالم في ظل الأوضاع الراهنة. 

إن هذه الأطراف التي تحن إلى هذا الماضي تتجاهل نصف قرن من المواجهة الشرسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي  منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 حتى نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين سنة 1989. إنهم يشيدون بالنظام العالمي الذي كان قائما آنذاك ويقارنونه بالفوضى التي تسود عالمنا في الوقت الحالي في ظل تعدد الأقطاب الذي قام على أنقاض ثنائية الأقطاب.

في هذا العالم الذي احتدم فيه سباق التسلح كما أن القوى التي تتصدر المشهد الاستراتيجي والجيوسياسي الراهن راحت تدافع عن مصالحها الخاصة في عالم فوضوي- نعني هنا الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا - على حساب بقية مناطق ومصالح دول العالم الأخرى.

أما أولئك الذين يريدون العودة إلى نظام عالمي أكثر بساطة ووضوحا فإنهم قد يكسبون رهانهم في نهاية المطاف. فالأوضاع الدولية قد تتغير وقد يعود العالم من جديد إلى شكل من أشكال الثنائية القطبية. يعتبر هؤلاء أيضا أن لعبة القوى العظمى قد تنتظم من جديد حول قطبين متواجهين ومتناقضين. 

إن الأطراف التي تعبر عن حنينها إلى فترة الحرب الباردة يسعدهم الكلام عن ظهور إرهاصات تنم عن العودة إلى شكل من أشكال الحرب الباردة. فهو يعتبرون أن الغرب وأصدقاءه وحلفاءه سيجدون أنفسهم حلفا منافسا يضم روسيا والصين وأصدقاءهما، في سباق عالمي يذكرنا إلى حد كبير بتلك المواجهة التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي!

«الغريم الاستراتيجي.. من حرب باردة إلى أخرى»  هذا هو عنوان الندوة التي عقدت يوم 15 مارس 2019 في بلجيكا بتنظيم من متحف باستوين الحربي بالتعاون مع استوديو تمبورا للإبداع الثقافي، وقد سبق للطرفين تنظيم عدة ندوات استراتيجية مهمة.

بعد مرور ثلاثين سنة على سقوط جدار برلين بدأت تظهر إرهاصات تدل على بداية تشكل حركتين استراتيجيتين على الساحة السياسية الدولية. فمن ناحية أولى نجد أن الروس والغربيين يرتبطون بعلاقات متوترة وعدائية شبيهة إلى حد كبير بتلك العلاقات التي كانت قائمة في ظل حالة الاستقطاب بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. 

نرى من ناحية ثانية أن الصينيين والروس يتطابقون في أغلب الأحيان في مواقفهم من أمهات القضايا والمسائل الاستراتيجية على الساحة العالمية. لقد سبق للسوفيت والصينيين أن رفضوا الخضوع للعالم الذي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرضه على العالم سنة 1945. ظل الروس والصينيون يشكلون جبهة مواجهة ضد مواقف الغرب وسياساته وخططه العسكرية والدفاعية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. 

لا ننكر أنه توجد اليوم منافسة بشكل أو بآخر بين الغرب من ناحية وروسيا والصين من ناحية ثانية. فروسيا تعتبر أن الحلف الأطلنطي، الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية يمثل تهديدا وهي تعطي الأولوية لهذه المسألة. 

أما العسكريون الصينيون فهم يتدبرون ويتسلحون استعدادا للحرب ضد عدو واحد -الولايات المتحدة الأمريكية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها ترى في الصين «غريما استراتيجيا». أما الاتحاد الأوروبي فإنه يعتبر أن الصين تمثل «منافسا نظاميا». ظل الصينيون تقليديا يتخوفون من مفهوم التحالف الاستراتيجي ما جعلهم لا يدخلون في اتفاقية أو معاهدة أو تحالف استراتيجي مع الروس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وفي خضم الحرب الباردة التي امتدت إلى أكثر من أربعة عقود. 

عندما يتعلق الأمر بمواجهة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فإن الروس والصينيين يتبنون مواقف متقاربة بل متطابقة وهم يدافعون عما يسمونه «الغريب القريب» في إشارة إلى مناطق نفوذهم التقليدية. بالنسبة إلى الروس فإن أوكرانيا وجورجيا تدخلان ضمن مناطق نفوذهم. أما الصينيون فهم يستميتون في الدفاع عن البحر الموجود في جنوب الصين والذي يسمى «بحر الصين». 

تتبادل سلطات البيت الأبيض والكرملين الاتهامات وتحمل بعضها بعضا المسؤولية عن التجميد التدريجي للاتفاقيات المبرمة بشأن التحكم وتقليص الأسلحة النووية. فالولايات المتحدة الأمريكية تهدد بالانسحاب من المعاهدة المبرمة مع موسكو سنة 1987. ما يعني أن العالم سيشهد عودة إلى السباق النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفيتي، الذي انهار واندثر مع سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة. 

يذكرنا المحلل السياسي فرنسوا هيسبورغ أن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية - ستارت - ستنتهي أصلا بحلول سنة 2021. فهل سيتم تجديد العمل بها؟ 

يخوض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والصيني تشي جينبغ الآن معركة أيديولوجية كبرى ضد الغرب. لم تعد المعركة الأيديولوجية تدور بين النموذج الرأسمالي من ناحية والنموذج الشيوعي من ناحية ثانية. فالروس والصينيون يخوضون معركة من أجل إضفاء الشرعية على نموذج الحكم الشمولي والأوتوقراطي في كل من الصين وروسيا في الوقت الراهن. 

في فترة التسعينيات، وفي خضم نشوة نهاية الحرب الباردة بانتصار الغرب، اعتقد الكثيرون أن الديمقراطية الليبرالية الغربية ستسود العالم كله، غير أن الاعتقاد قد تبدد لأن الصين قد تحولت إلى قوة اقتصادية وعلمية كبيرة من دون أن تعتنق الديمقراطية الليبرالية الغربية. قال أحد كبار المسؤولين في أجهزة المخابرات الأمريكية: «لم يسبق أبدا منذ فترة الخمسينيات من القرن العشرين أن كانت المواقف متقاربة بمثل هذا الشكل بين الصينيين والروس».

إجابة على السؤال الذي طرح في الندوة التي عقدت في بلجيكا مؤخرا: هل العالم بصدد العودة إلى شكل من أشكال الحرب الباردة ما بين الغرب من ناحية والكتلة الصينية والروسية من ناحية ثانية؟ كلا إن العالم ليس بصدد العودة إلى شكل من أشكال الحرب الباردة. فالعولمة نسجت روابط اقتصادية وتجارية بين الدول بشكل لم يسبق له مثيل. 

إذا كانت العولمة لا تحقق السلام بمعناه المطلق فإنها تحول دون عودة العالم من جديد إلى ذهنية وفترة الحرب الباردة. لم نصل بعد إلى هذه المرحلة لأن الغرب يعطي الانطباع بأنه غير موحد. فالولايات المتحدة الأمريكية – وليس الرئيس دونالد ترامب – تتساءل اليوم عن الجدوى من التحالفات القائمة على أساس المواجهة الأمريكية – السوفيتية القديمة. 

هذا ما يضع الدول الأوروبية في وضع صعب ومعقد يزيد من عزلتها. فالصين توسع من نفوذها في العالم وتزيد من قوتها الاقتصادية الطاغية. أما روسيا فقد أصبحت تستمد سياستها من نزعة قومية شديدة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي غير متوقعة في مواقفها وسياساتها. 

في ختام الندوة المذكورة قال الوزير البلجيكي السابق إتيان دافنيون، والذي يعتبر شاهدا على أحداث القرن العشرين، بما فيها الحرب الباردة، بما أنه في السادسة والثمانين من عمره: «لن يقدم الروس أبدا على الخطوة أولا»، موجها كلامه إلى الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. 

يعبر وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هيبرت فيدرين عن سخطه على سلبية الدول الأوروبية. فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة المدى. يحذر الوزير الفرنسي من أن هذه الخطوة ستدفع روسيا إلى التشدد في مواقفها وسياساتها. 

لوموند

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news