العدد : ١٥٠٩١ - الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩١ - الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الثقافي

الفنون والآداب ودورهما في بناء ثقافة الطفل الاجتماعية

بقلم: حيدر علي الأسدي

السبت ٢٢ يونيو ٢٠١٩ - 10:36

ربما يكون العنوان غريبا بعض الشيء، ولكن ما توصلت إليه من خلال بحثي الدائم والمستمر، ومن خلال ما أمتلكه من معلومات كبيرة تحت يدي الآن وأنا أخوض تجربة واقعية عبر تأليفي لكتاب بعنوان (العلاج بالفن)، وقبلها أود أن أتحدث عن أن الفنون والآداب، لم ترسم لنفسها عداءً للدين ولا الإنسانية بل على العكس تماما هي من عززت هذه الجوانب بوصفها وسيلة ممكن نقل الأفكار عبرها، لذلك استخدم الخطاب الديني الفنون والآداب كثيرًا، ولم يكن ثمة مجال معين إلا ودخل الجانب الفني والأدبي فيه، ومن ثم لم يكن يوما الخطاب الفني والأدب ترفًا وشغل من لا شغل له، بالعكس أن الآداب والفنون تسامٍ ورقي كبير وحضارية متفردة تعلي من شأن الإنسانية وترسخ قيم الإنسانية الايجابية وتعمل على هذا الأمر بشتى الأساليب والطرق، والأمر تعدى هذا كثيرًا، إذ أصبحت اليوم الفنون والآداب وبحسب النظريات الحديثة مجالا خصبًا للعلاجات وبناء شخصية الأطفال، وفي مجال الاهتمام برقي الذائقة التربوية والأخلاقية والسيكولوجية للأطفال وخاصة (طلبة المدارس) أو حتى غيرهم، نجد عروض مسرح الدمى والعرائس ومسرح الطفل والمسرح المدرسي والمسرح التربوي والتعليمي، وما تشتمل عليه من قيم كبيرة من المعاني التعليمية، والتي تأخذ على عاتقها توجيه الأطفال بصورة صحيحة نحو القيم الايجابية ونبذ المظاهر السلبية بجميع تفصيلاتها، ومن خلال هذا المسرح صار يمكن أن يتم تحويل المناهج الدراسية (ومعلوماتها) عبر العمل الفني إلى مادة سلسة، وسهلة الفهم والهضم والإقناع، ومن ثم التأسيس لطرق وأساليب تدريسية جديدة تكسر نمط التقليدية والتلقين الأحادي في مجالات تعليم الأطفال في المدارس، ومنها إدخال الوسائل الفنية والمتعالقة مع الوسائطية في المجال التعليمي التربوي وكذلك استخدام تقنيات الأداء الفني في قاعة الدرس وتحويل أداء الدرس الكلاسيكي إلى طريقة فنية معبرة في إيصال المادة العلمية، ومن ثم ترسخت هذه التجربة ووثقت عبر عشرات البحوث والدراسات التي أكدت عمق هذه الطرق والأساليب ومواكبتها للحداثة في التعليم والأخذ باتجاه التعليم التفاعلي الذي يشترك فيه التلميذ لاستحصال المادة المنهجية العلمية، وما تتضمنه من قيم تربوية وفكرية وخاصة بعض التعليم الخاص من قبيل التعليم المسرع والمتأخرين دراسيا وما شاكل ذلك، ولنا في مدينة البصرة تجارب رائدة ومهمة في هذا المجال عبر قسم التربية الفنية في كلية الفنون الجميلة (جامعة البصرة) والذي أسس لخطوة أكثر من رائعة متمثلة في مهرجان (المسرح المدرسي) ومهرجان (مسرح الدمى والعرائس) والذي يقوم على إخراج طلبة القسم لعروض مسرحية هادفة للأطفال تخرج من إطار قاعة الدرس ومن الحرم الجامعي وتتوجه كليا إلى المدارس لتقدم لهم تلك العروض المسرحية بشيء من المرح والفكاهة والمعلومة والابهار والتشويق الذي يجعل الاطفال في تفاعل كبير باستحصال المعلومات، وهذه التجربة أسس لها في هذا القسم (الدكتور سيف الدين الحمداني) ومعه الطلبة الذين أحبوا فكرة الانفتاح على المدارس وإقامة مشاريعهم الفنية للعروض المسرحية المتعلقة بالأطفال داخل المسرح، إذ يقام المهرجان سنويا مرتين، الأولى متعلقة بالمسرح المدرسي والأخرى بمسرح الدمى والعرائس، وهي تجربة تقام سنويا بجهود تطوعية من الطلبة وبعض الكوادر التدريسية وبالمقابل تفتح التربية في البصرة مدارسها لعروض كهذه، ولكوني كنت احد الشهود على هذه التجربة والمشاركين في آخرها، فقد التمست مدى التفاعل الكبير من المدارس وإداراتها والأطفال الباحثين، عن هذه الأساليب في التعلم، والأمر لم يقتصر على هذا الحد في الفنون والآداب بل إن التطورات الحداثوية أخذت تجرب كثيرًا وصولاً إلى تمازج الفنون والآداب بالجوانب العلمية، وهو ما أثبتته الدراسات العلمية، إذ بات من الممكن استخدام الفنون (المسرح) (التشكيل) (الموسيقى) وغيرها، في العلاجات، وليس العلاجات السيكولوجية فحسب، بل حتى علاج تلك الأمراض العضوية التي تبدأ بمشكلة سيكولوجية كالعصبية التي تقود مرارا إلى أمراض القولون وغيرها، ومن ثم شكلت هذه الفنون علاجات حقيقية لعديد من الأمراض، فمثلا أصبحت الموسيقى تقدم العلاجات للأطفال الانطوائيين وذوي الإعاقة العقلية، والأطفال المصابين بالاكتئاب والتوحد وغيرهم، بل حتى من الشرائح الأعلى مرحلة عمرية من الأطفال كالمراهقين مثلا، كما تستخدم الموسيقى ايضا في تحسين مستوى النمو لأطفال التوحد، ومن المهتمين بطريقة العلاج عبر الموسيقى: فسيلس، هارت ابير، سيمور، فإن دي وال، والذين أصدروا كتابًا حول استخدام الموسيقى في السجون والمصحات العقلية إبان الحرب العالمية الثانية والذي أظهر دور الموسيقى في العمل على رفع الروح المعنوية لدى جرحى الحرب، ويستخدم المسرح العلاجي أو السيكودراما في تحسين مهارات التواصل والانفكاك من العزلة وتعزيز الهوية والذات وعلاج الرهاب لدى الأطفال، إذ مع تطور الأدب وتقدمه وتفرعه وتعدد الاجناس ظهرت مفاهيم واصطلاحات في الأدب والفن تعمل على تفسير الاعمال تفسيرا نفسيا ومنها مفهوم السيكودراما، وقد أسس لهذا النوع من العلاج الشهير جاكوب مورينو سنة 1922 في فيينا، والسيكودراما تعني الدراما النفسية وهي تطلق على شكل من أشكال المعالجة النفسية من خلال التقنيات المسرحية وعلى استخدام المسرح كنوع من أنواع العلاج النفسي. ولقد أسهمت كل الجهود السابقة في تأسيس الرابطة الأوروبية للعلاج بالفن عام 1969 وصدرت مجلة خاصة بهم تحت عنوان المجلة الأوروبية للعلاج بالفن، ولا يمكن تغافل دور علماء النفس الذين استخدموا الرسم كأداة تشخيصية في كثير من البحوث للمقارنة بين الرسوم لدى بعض الفئات الإكلينيكية والفئات السوية ومن ثم التوصل إلى بعض الملامح والصفات التي تميز فئات المضطربين وامكانية علاجهم، اذ تعد رسوم المرضى مادة حيوية للعلاج ومن ثم شاع آنذاك العلاج بالرسم في كثير من مستشفيات أوروبا وحتى الآن، لكونه يزيد من إدراك المريض لصراعاته السيكولوجية، ولعل أهم دراسة بهذا المجال للمؤلف جون.ن.باك في كتابه (دراسة الشخصية عن طريق الرسم)، كما استخدمت القصص لخفض التوتر لدى الطلبة وخاصة لدى أطفال الأوتيزم، وعززت كثيرًا من مهارات التواصل وقدرة التلاميذ الصغار على التحدث والتواصل الاجتماعي، ومن ثم تكون الفنون والآداب قد أدت دورًا مهما في تعزيز مجالات بناء الاطفال وصحتهم، الأمر الذي يستدعي اهتمامًا أكثر بها من قبل البلدان كافة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news