العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات: في الكتابة وطقوسها!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٢ يونيو ٢٠١٩ - 10:35

عبَّر الروائي الروسي تولستوي عن مخاض لحظة الكتابة إذ «لا يوجد أديب يفيض قلمه بسهولة بغير متاعبه. إنَّ الكتابة صعبة، وكلما كانت صعبة جاءت نتائجها طيبة». أمَّا الروائيّ البيروفيّ الإسباني الجنسية ماريو فارغاس يوسا فإنّه يقول في حديثه عن صناعة الإلهام «لو بدأتُ أنتظر لحظات الإلهام، لما كان في وسعي إنهاء أيّ كتاب. يزورني الإلهام لجهدي المتواصل في الكتابة». إنَّ يوسا هنا يؤكِّد ما دأب على فعله الروائيّ المصريّ الشهير نجيب محفوظ من العكوف على المكتب لساعات محدَّدة كلّ يوم يقضيها في القراءة والكتابة، وهو روتين يومي لا يتغير لكونه كان موظفًا حكوميا سنوات طويلة من عمره. لقد كان نجيب محفوظ يكره السفر الذي سيبعثره بحسب وصفه! ورغم هذا الروتين الذي يحتاج بالفعل إلى إرادة صلبة وعزيمة قوية لا تُقهر أنتج نجيب محفوظ في مسيرته الروائية العشرات من الروايات المؤثّرة عربيا، وكثير منها حظي بترجمات إلى لغات عالمية مهمة لكون منجزها حائز جائزة نوبل للآداب. أمّا كافكا فقد كان يسلك سلوكًا مضادًا إذ يقول: «أمنع نفسي بالقوة عن الكتابة، أتقلب على السرير، احتقان الدم في جمجمتين والجريان العديم الفائدة للأشياء». ولدى الروائية التشيلية إيزابيل الليندي طقوسها الخاصة بلحظة الكتابة؛ فقد اعتادت حرق البخور عند بدء أيّ عمل روائي كي تحرق في مخيلتها كتابها السابق وتبدأ من جديد وبمخيلة مطلقة في التركيز فقط على الكتاب الجديد! ربّما كان في طقوسها الغربية رغبة مضمرة منها في التحرّر من أسر كتاب ما أنجزته كي لا تظلَّ محبوسة في دائرته مهما كان اتساعها! إنّها بحرق البخور تعلن البدايات الجديدة القادمة للأشياء! وربّما كان هذا هروبًا منها من الوقوع في دائرة تمجيد الذات واجترار الأمجاد الشخصية. ومع مجيء الجملة الأولى من الرواية تكون الصعوبات الكبرى في كتابة النص قد زالت عند إيزابيل الليندي! وتبدأ الرواية بالتدفق! لقد احتاج الناقد الروسيّ ميخائيل باختين إلى انتزاع صفحات من مخطوطة كتابه «المبدأ الحواري» كي يحوّله إلى لفائف سجائر تبعث في جسده المنهك بعض الدفء وهو في منفاه القسري في أقاصي سيبريا المتجمدة! ولا أعرف ماذا كانت مشاعر باختين وهو يرى عمله الفكريّ الذي شغفه ردحًا من الزمن يتحوّل إلى رماد يتهاوى! بفعل هذا الإحراق غير الإرادي فقدنا الجزء الأكبر من أهم أعمال هذا الناقد الروسيّ الذي وجد نفسه مخيّرا بين الحفاظ على حياته وبين إبقاء كتبه؛ فاختار خيارًا وسطًا أن يحتفظ بالنصف من الشيئين نصف حياته ونصف كتابه!

لكثير من المبدعين طقوسهم الخاصة بهم والاستثنائية لديهم كي يبدعوا؛ فعند غوته ينبغي للإنسان أن يسمع كل يوم قليلاً من الموسيقى، ويقرأ قصيدة جيدة، ويرى صورة جميلة، ويقول إذا أمكن كلمات قليلة معقولة. وإذا كانت طقوس غوته طقوسًا جميلة رائعة فإن طقوس بعض المبدعين في لحظات إلهامهم قد تتسم ببعض الغرابة والخروج عن المألوف! البعض يحتاج إلى عزلة مطلقة! وآخرين يبدعون في فضاءات مزدحمة بالبشر ومبعثرة بالأشياء! الإبداع وأسئلته في غاية الصعوبة على التحديد! والكتابة عنه قد تتسم ببعض المخاطرة! كتابة بجدول نظامي صارم للغاية أم تفلّت من القيود والحدود وثورة عليها وعلى النظامية الصارمة. الأمر عائد إلى المبدع نفسه هو الذي تختاره لحظات تألقه الكتابية! 

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news