العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

اسـتـيـراد الـتـكـنــولـــوجــيـا أم الـثقـافـة؟ .. نظرة ثقافية لصناعة الطاقة المتجددة

بقلم: عبدالله العباسي

السبت ٢٢ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

يَذكر عالمُ الاجتماع الشهير الأستاذ علي الوردي في موسوعته (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) تاريخَ دخول السيارات إلى العراق مع بدايات القرن العشرين، وكيف كان يُنظر إليها في ذلك الوقت حيث يقول: (أصبح الناس ينظرون تحتها ـأي السيارة- لكي يكتشفوا الحصان الكامن في بطنها على زعمهم، إذ لم يكن من المعقول أن تسير عربة من غير حصان يجرّها). 

وبصورة عامة فقد شكل دخولُ المخترعات الأوربية الحديثة إلى الدول العربية بعد الحرب العالمية الأولى صدمةً حضارية كبيرة للمجتمعات العربية، والحال في دول الخليج ليست بعيدة عن هذه الصورة. 

فقد ذكر د. عبد الرحمن الشبيلي -على سبيل المثال- في كتابه «قصة التلفزيون في المملكة العربية السعودية» أن النساء في بعض القرى كن يسدلن الغطاء أمام مذيعي التلفزيون ظنا منهن أنه يراهن. 

ورجوعا إلى مثال السيارة، فدخولها إلى مجتمعاتنا البسيطة أدى إلى تغيرات كبيرة في بنية المجتمع من نواح عديدة، فالسيارة بحاجة إلى شوارع ومحطات بنزين وكذلك صيانة، وهذا ما ولد حاجة إلى التخصص في مجال الهندسة المدنية لبناء الشوارع، وهندسة البترول لاستخراج النفط، والميكانيكا للتطوير والصيانة، وأوجد كذلك الاهتمام بما يسمى الثقافة المرورية، وتخصيص مناهج ومدارس لزرع هذه الثقافة لدى مستخدمي السيارات.

لقد حققت الدول العربية تقدما مشهودا لمواكبة دخول هذا المنتج الحضاري في مجتمعاتها، كل دولة بحسب إمكانياتها وقدراتها، إلا أنه من المؤسف ما تظهره بعض الإحصاءات الحديثة من كون الدول العربية تتصدر أعلى نسب حوادث السيارات في العالم، وهذا قد يعود إلى أننا تمكنا خلال المائة عام السابقة من مواكبة وتقبل هذا المنتج الحضاري من الناحيتين التقنية والاقتصادية، إلا أننا لم نستطع أن نستوعب الجانب الثقافي منه، ولم نستطع أن ننمي جانب الثقافة المرورية الصحيحة في مجتمعاتنا بحيث تكون جزءا من بنائنا الفكري. وهذا أمر قد يكون متوقعا لكون هذه المنتجات لم تكن في الأصل وليدة الثقافة العربية، ولم نبذل جهودا كبيرة لإدخالها في فكرنا الجمعي؛ ولذلك بقيت غير متسقة بشكل كبير مع ثقافتنا وهويتنا العربية.

أما إذا أردنا أن نعكس تجربتنا مع السيارة على بعض استخدامات الطاقة المتجددة، فإنه من المهم بمكان أن نميز أن الطاقة المتجددة تختلف عن الطاقة التقليدية من جوانب عدة؛ إذ إن الطاقة المتجددة أسهمت في زيادة دور المستهلك، وأصبح هناك جانب أكبر متعلق بثقافة المستخدم وقابليته للاستثمار والاستفادة من هذه الموارد بأحسن صورة ممكنة. 

وعلى سبيل المثال: عند استخدام طاقة الرياح، فمن المتوقع أن يكون هناك أوقات معينة في اليوم أو في الأسبوع تكون فيها الرياح أكثر من الأوقات الأخرى، ولذلك لا بد أن يلجأ المستخدم إلى شحن أجهزته الكهربائية في الأوقات التي تكون فيها وفرة من الرياح فيما يسمى «الشحن الذكي». هذا السلوك من المستخدم في الغالب يكون بتشجيع من شركات إنتاج الكهرباء، إلا أنه يجب أن يكون أيضا جزءا من ثقافة المستهلك. 

وإذا ما نظرنا إلى تجربتنا في البحرين مع الألواح الشمسية مع نظام صافي العداد، فالمستخدم الذي ركب هذه الألواح عليه أن يشحن أجهزته الكهربائية من هذه الألواح خلال الفترة الصباحية، وألا يتوجه إلى تصدير ما ينتجه إلى الشبكة الكهربائية على أساس أنه يستفيد من فارق الاستهلاك والإنتاج؛ إذ إن هذا الاستهلاك للطاقة الشمسية في وقتها المناسب يجعل المستهلك يستفيد من الدعم الحكومي للطاقة الكهربائية بشكل أكبر؛ فهي موزعة بحسب شرائح بناءً على كثرة الاستخدام، فكلما قل الاستخدام كان الدعم موجها بصورة أكبر إلى المستخدم، وهذا ما سيحدث إذا تمت الاستفادة من الطاقة الشمسية في الاستهلاك بصورة مباشرة. وأيضا فاستخدام الطاقة الشمسية في وقت الذروة -وهو غالبا ما يكون في فترة الظهيرة- يخفف العبء عن الشبكة الكهربائية ويجعلها أقل عرضة للانقطاعات الكهربائية.

وعلى كل حال فإنه مما ينبغي التنبه إليه في هذا السياق أن فهم التبعات الاجتماعية لأي صناعة تجعل المستخدمين أكثر وعيا ودعما لها، وبالأخص إذا كانت هذه الصناعات تسهم في استدامة الموارد وتأمين احتياطي للأجيال القادمة كما هو الحال مع الطاقة المتجددة. 

ومما يجب أن نستفيد منه من خلال تجربتنا مع «السيارة»: أن الصناعة يجب أن تتبعها ثقافة، وأن الجانب الثقافي للصناعة لا يقل أهمية عن الجانب التقني، وأنه ينبغي علينا أن نعمل بكل جهد على تطوير الجانب الفكري والاجتماعي لهذه الصناعة لكي لا نكرر نفس أخطائنا السابقة، ولتكون رحلتنا مع هذه التكنولوجيا أكثر فائدة وأقل ضررا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news