العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

«حقوق الطفل في الإسلام» (1)

بقلم: د. رائد أبورية

الجمعة ٢١ يونيو ٢٠١٩ - 10:58

 

إن أطفالنا أمانة في رقابنا، وسنُسأل عنهم يوم القيامة، ولاشك أن لهم علينا حقوقًا. وأهم حق من حقوقهم هو التربية والتنشئة على أفضل الأخلاق وألينِ الطباع.

والتربيةُ بمعناها الشموليّ أوسعُ بكثير من توفير المسكن والمأكل والملبس وغير ذلك من ضروريات وكماليات الحياة، وإلا فإن بعض الحيوانات والطيور تُلزم نفسها بتوفير ذلك كله لأولادها، فهل من المعقول ألا تتميز مسؤولية الإنسان في التربية عن مسؤولية تلك الحيوانات العجماوات؟

إن مسؤولية الإنسان تجاه أبنائه - من غير شك - أعظمُ بكثير، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره مطلوب منه أيضا التربية والتنشئة الصالحة.

وإذا كان الإنسان - بصفة عامة - مسؤولاً عن ذلك، فإن المسلم -بصفة خاصة - يتعبد لله تعالى بهذه التربية، تحقيقًا لقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) سورة طه، آية: 132.

وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) سورة التحريم، آية: 6.

وتحقيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم عن عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وَهْوَ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا وَمسؤولةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ في مَالِ سَيِّدِهِ وَمسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ في مَالِ أَبِيهِ وَمسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ» صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الْجُمُعَةِ في الْقُرَى وَالْمُدْنِ، رقم (893)

عَنْ عبداللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» مسند الإمام أحمد، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، رقم (6495).

وسنلقي الضوء على بعض القضايا المهمة التي من شأنها الحفاظ عليه ومواجهة التحديات التي تقف حجرَ عثرةٍ في طريق التربية، ومن هذه القضايا: (حقوق الطفل في الإسلام).

من الثوابت في ديننا الحنيف تكريم الله للإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) سورة الإسراء، آية 70.

وهذا التكريم ليس مرتبطًا بمرحلة البلوغ ولا - حتى - بمرحلة الطفولة، بل هو تكريم منذ أن كان الإنسان جنينًا في بطن أمه مرورًا بمراحل حياته المختلفة.

وهذا تكريم يترتب عليه حقوق، وعناية شاملة تحقق له الحياة الكريمة.

ومن هذه الحقوق ما يلي:

1ـ صيانة حقه في الحياة وحرمة إجهاضه جنينًا وضمان حقه في التملك والوراثة.

2ـ تربيته ورعايته وإرضاعه وحضانته والإنفاق عليه، فحُبّب إلى الأم إرضاع طفلها وحضانته لأنها أحن عليه وأرحم له، وفرض على الوالد الإنفاق عليه وتعليمه وحمايته، وجعل ذلك حقًا للأطفال على آبائهم، للصغير حتى يبلغ ويستطيع الكسب، وللصغيرة حتى تتزوج أو تعمل، كما قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فإن أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إذا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) سورة البقرة، آية 233.

كما جعل مسؤولية تربية الأطفال مشتركة بين الأسرة والمجتمع بين الآباء والأولياء وجعل من حق الولد على والده أن يحسن تسميته وبيئته وتأديبه.

3ـ وقد بلغت رعاية الإسلام بالأطفال حدًا منعَ الآباء من أن يوصوا من أموالهم بأكثر من الثلث حتى لا يتركوا أولادهم عالة بعدهم على غيرهم، فقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص عندما أراد أن يوصي بكل ماله للفقراء فيما رواه الإمام مسلم: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» صحيح مسلم، كتاب الوصية، بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، رقم (1628)..

 كما حمى الإسلام الأطفال من شح آبائهم وبُخلهم، والحرمان من النفقة حال غيبتهم، كما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوجة أبي سفيان عندما اشتكت إليه، أن تأخذ من مال زوجها وفي غيبته ما يكفيها ويكفي أولادها، فقال فيما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالْمَعْرُوفِ» صحيح البخاري، كتاب النفقات، بَابُ إذا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ، رقم (5364).

4ـ وقد وجه الإسلام عنايته للطفل اليتيم الذي فقد أباه وهو صغير ضعيف يحتاج إلى من يرعاه ويكفله؛ ولذلك أوجب العناية باليتيم ورعايته وضمان معيشته وتربيته وعدم قهره والغضّ من شأنه وقد جاء في القرآن.

(أرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) سورة الماعون، الآيتان 1، 2

وقال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) سورة الضحى: 9

 كما أمر بالمحافظة على أموال اليتامى إلا بالتي هي أحسن واعتبر آكلها كمن يأكل النار فقال: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ..) سورة الأنعام، آية 152.

وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) سورة النساء، آية 10.

وعن البر باليتيم ورحمته روى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إلى يَتِيمَةٍ أو يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» مسند أحمد، عن أبي أمامة، رقم الحديث (22153).

* اهتمام الإسلام بالأطفال اللقطاء:

كما اهتم الإسلام بالأطفال اللقطاء - واللقيط هو المولود الذي لا يُعرف له أبٌ ولا أم - وينبغي لمن وجده أن يلتقطه لما فيه من السعي لإحياء النفس وإغاثة الإنسان.

ولم يراع الإسلام في اللقيط – إن كان وُلد من الزنا – جريمة أمه وخطيئتها لعدم مسؤوليته واعتبر كفالته وتربيته ورعايته من واجب الدولة ومسؤوليتها، فقد جاء رجل بلقيطٍ إلى عمر فقال له: «نفقته علينا وهو حر».

ولم يميز الإسلام في المعاملة بين الأطفال اللقطاء وبين غيرهم؛ مراعاة لنفسيتهم وشعورهم، فكما جعل من واجبات الدولة الإنفاق عليهم ورعايتهم وهم صغار، أعطاهم كامل الحقوق في المجتمع عندما يكبرون فلهم الحق في الانخراط في مجتمعهم وتحمل مسؤوليتهم عن تصرفاتهم وأعمالهم.

وهكذا، فقد وضع الإسلام ضماناتٍ أكيدةً لحفظ حقوق غير البالغين حتى من آبائهم وأمهاتهم.

كما حمى من لا عائل لهم- وهم اليتامى - من جشع وشرَهِ أصحاب البطون الواسعة، كما أشرك المجتمع كله في حمايتهم من كل معتدٍ ظالم.

كما شدد النبي صلى الله عليه وسلم على حقوق الطفل العاطفية، والتي أقلها القُبلة.

فقد روى البخاري أيضا عن أبي هريرة قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ » صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رَحْمَةِ الْوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ، رقم (5997).

وروى الإمام البخاري عن أبي قتادة قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا النبي صلى الله عليه وسلم وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا» صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رَحْمَةِ الْوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ، رقم (5996).

وحريٌّ بالمسلمين اليوم بصفة خاصة وبالعالم أجمع وهو يحتفل بالذكرى السنوية للطفولة أن يقتدي بهذا السلوك النبوي الكريم، وأن يتمسكوا بهذا النهج العظيم الذي راعى الطفولة حق رعاية، وصانها أعظم صيانة وكفل لها السعادة والطمأنينة في الحال والمآل. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news