العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الــنــظــافـــة ديــن وثــقــافــــة (1)

بقلم: عبدالسلام محمد وحيد عمري

الجمعة ٢١ يونيو ٢٠١٩ - 10:58

 

إن المتأمل في حياة الصحابة والسلف الصالح يجد أن الأمر بالنظافة لم يقف على مجرد النظافة الشخصية، ونظافة المساجد والبيوت، بل وصل الأمر إلى تنظيف الطرق، حتى أصبح ذلك عادة تعلَّمها الصحابة رضوان الله عليهم ونقلوها، حتى إن محمد بن سيرين يقول: لَمَّا قَدِمَ أبو موسى الْأَشْعَرِيُّ الْبَصْرَةَ، قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ لِأُعَلِّمَكُمْ سُنَّتَكُمْ، وَإِنْظَافَكُمْ طُرُقَكُمْ». أخرجه ابن أبي شيبة. ومن العبارات المحفوظة التي تتردد كثيرا على الألسنة عبارة «النظافة من الإيمان» وتشتمل هذه العبارة على إشارة مهمة تتمثل في جعل النظافة جزءا لا يتجزأ من الإيمان، الأمر الذي يجعلها ذات أهمية بالغة في سلوك الإنسان، لأنها بذلك لم تعد مجرد أمر مرغوب فيه أو متعارف عليه، وإنما صارت بالإضافة إلى ذلك قضية إيمانية تتصل بالعقيدة المتأصلة في النفوس، وبذلك حصلت على دعم قوي من شأنه أن يظهر أثره في السلوك بوضوح تام معبرا عن هذه القضية الإيمانية، وهذه العبارة المشار إليها تستند في واقع الأمر على أسس دينية راسخة، ومن هنا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يجعل إزالة الأذى عن الطريق عنصرا من عناصر الإيمان في قوله «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» رواه مسلم، وتأكيدا لذلك نجد الدين يأمرنا بالنظافة قبل الدخول في الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، ويحرص على أن نأخذ زينتنا عند الذهاب إلى المسجد، وهذا أمر يتطلب النظافة، حتى لا يؤذي أحد غيره في المسجد برائحة كريهة أو ملابس غير نظيفة، فيكون سببا في تنفير الناس من الذهاب إلى المساجد.وإذا كان الأمر كذلك في أمور الدين فمن باب أولى ينبغي أن ينعكس ذلك على سلوكنا اليومي في الحياة. ومن هنا فإن من الضروري تعويد أبنائنا وبناتنا في سن مبكرة على النظافة وعلى عدم إلقاء أي مخلفات في الشارع، أوفي الصف أو في فناء المدرسة، أو في مكان العمل، أو في أي مكان آخر من شأنه أن يسيء إلى المجتمع وإلى أفراده بأي شكل من الأشكال. والتعود من الصغر على ذلك يجعل النظافة سلوكا حياتيا لهم، فمن شب على شيء شاب عليه، وبذلك تصبح العادة طبيعة (سجية- خصلة) ثابتة تجعل السلوك يصدر عن المرء من دون تكلف. ومن المناظر المألوفة التي تدل على سلوك غير مقبول أن نجد البعض مستقلا سيارة فارهة - والسيارة تعد علامة حضارية - ولكنه أو من معه في السيارة لا يجدون غضاضة في فتح نافذة السيارة لإلقاء المخلفات في الشارع، وقد تكون قشرة موز تتسبب في انزلاق مواطن أو مقيم، وقد يترتب على ذلك بالنسبة إليه مالا يحمد عقباه. ومن المناظر المؤلمة أنك تجد الأماكن المخصصة لوضع الزبالة والقاذورات والمخلفات من الحاويات والصناديق والسلال وغيرها منتشرة في المدارس والمؤسسات والهيئات والقطاع العام والقطاع الخاص وفي كل مكان وهذا هو الأصل والغالب. ولكن يؤلمني عندما نرى طالب علم أو غيره يرمى الأكياس وبقايا الطعام والشراب والأوراق على الأرض أو في درج الطاولة، ويكون بينه وبين سلة المهملات أمتار قليلة، بل إن بعض الناس يرمي المخلفات إلى جوار الأماكن المخصصة للقمامة، أو يلقي بها من أعلى إن كان من ساكني الأدوار العليا فتقع على الأرض فتنشر القمامة في المكان كله بطريقة منفرة ومقززة، كما أن بعض الناس لا يتورعون عن إلقاء الفضلات والمخلفات وبقايا الأطعمة والمشروبات وغيرها على الأرض وفي طريق المارة، ونجد من يبصق اللعاب والنخامة وغيرها على الأرض، فضلا عن ذلك فإن تراكم المخلفات في البيوت أو الشوارع، وكل ما ذكرنا وغيره كثير، يجلب الحشرات والأمراض، ومن العجيب خاصة في بعض القرى والأرياف نجد بعض الناس، يضعون روث الحيوانات والمخلفات والقمامة أمام البيوت، ما يؤدي إلى انبعاث الروائح الكريهة وقد يتسبب عن ذلك تفشي الأمراض وانتشار الحشرات الضارة، ولكن مع الأسف يعتبر هذا وغيره من الأمور العادية، والمعروف أن كل التصرفات التي ذكرناها وما على شاكلتها سواء كانت فردية أو جماعية في داخل البيوت أو خارجها في الشوارع  والمدارس وفي المؤسسات والمصالح وفي المطاعم وفي المتنزهات والنوادي، وفي أي مكان كان. يجلب معه الذباب والحشرات والأمراض التي تضر الإنسان صحيا وبدنيا ونفسيا، الأمر الذي يساعد على انتشار الأمراض وإنهاك صحة المواطنين والمقيمين، وهذا كله يؤثر من ثم سلبا على قدرتهم على العمل والإنتاج فيخسر الوطن والمواطنون معا. وبجهد قليل في الحرص على النظافة يمكن تفادي ذلك كله. فمثلا لو حرص كل إنسان على أن يضع الأشياء الزائدة والمخلفات في الأماكن المخصصة لها، ماذا لو تم إنشاء مصانع لتدوير المخلفات والاستفادة منها في مناحي الحياة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news