العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الكنوز القُدسيّة (15) (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)

الجمعة ٢١ يونيو ٢٠١٩ - 10:56

الله تبارك وتعالى يقول: 

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ‏) (سورة آل عمران: 185). 

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ): كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت. التفسير المُيسر.

(زحزح): أَي نُحِّيَ وبُعِّد. 

(متاع الغرور): المَتَاعُ: 

مَا يَسْتَمْتِعُ بهِ الإْنسَانُ فِي حَوَائِجِه؛ أيّ لذات الدنيا وزخارفُها، شُبِّهت بالمتاع الذي يُدَلَّس به على الراغب في الشراء ويُغَرّ حتى يشتريَه - والمُدالسَة هي المُخادعة - وهذا إنْ ألهتكَ عن طلب الآخرةِ، فأمَّا إذا دعتكَ إلى طلبِ رضوانِ الله تعالَى فنعمَ المتاعُ ونعمَ الوسيلة. 

* إنَّ للموتِ سكرات!

إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ بيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أو عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، يَشُكُّ عُمَرُ - فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في المَاءِ، فَيَمْسَحُ بهِما وجْهَهُ،

ويقولُ: (لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يقولُ: 

في الرَّفِيقِ الأعلى حتَّى قُبِضَ ومَالَتْ يَدُهُ.

الراوي: عائشة أم المؤمنين | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6510 | خلاصة حكم المحدث: صحيح.

وفي رواية: (بَلِ الرَّفيقَ الأعلى مِن الجنَّةِ ـ ثلاثًا -)

رَكْوَةٌ: إناء صغير مصنوع من الجِلد يُشرب فيه الماء.

سَكَرَات: جمع سكرة، أيّ: شَدائِدَ، وأهْوال، وآلام عَظيمة.

نَصَبَ يده: رفعها.

قُبِضَ: انتقلت روحه إلى الرفيق الأعلى عليه الصلاة والسلام.

ويصف لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، لحظات الاحتضار:

عن البراءِ بنِ عازبٍ قال:

خرجنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في جنازةِ رجلٍ من الأنصارِ، 

فانتهينا إلى القبرِ ولما يُلْحَدُ (فجلس وجلسنا كأنَّ على أكتافنا خُلِقَ الصخرُ وعلى رؤوسنا الطيرُ فأَزِمَ قليلاً، والإزمامُ السكوتُ فلمَّا رُفِعَ قال:

«إنَّ المؤمنَ إذا كان في قُبُلٍ من الآخرةِ، ودُبُرٍ من الدنيا وحضرَهُ ملكُ الموتِ

فجلس عِند رأسِهِ ثمَّ قال:

(اخرجي أيّتُها النفسُ المطمئنةُ، اخرجي إلى رحمةِ اللهِ ورضوانِهِ، فتَنْسَلُّ نفسُهُ كما تقطرُ القطرةُ من فيّ السقاءِ، فإذا خرجت نفسُهُ (صلَّى عليها) كلُّ من بين السماءِ والأرضِ إلاّ الثَّقلينِ، ثم يُصْعَدُ بهِ إلى السماءِ فتُفتحُ لهُ السماءُ، ويُشَيِّعُهُ مقربوها إلى السماءِ الثانيةِ والثالثةِ والرابعةِ والخامسةِ والسادسةِ والسابعةِ إلى العرضِ مقربو كلُّ سماءٍ، فإذا انتهى إلى العرشِ كُتِبَ كتابُهُ في علِّيِّينَ، ويقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ:

«ردُّوا عبدي إلى مضجعِهِ»، فيأتيهِ مُنكرٌ ونكيرٌ يُثيرانِ الأرضَ بأنيابهما، ويفحصانِ الأرضَ بأشعارهما، فيُجلسانِهِ ثُمَّ (يُقالُ) لهُ:

يا هذا من ربّك؟ 

فيقولُ: ربيَ اللهُ.

فيقولانِ: صدقتَ.

ثُمَّ يُقالُ لهُ: ما دِينُك؟

فيقول: دينيَ الإسلام.

 فيقولانِ: صدقتَ.

ثم يقالُ لهُ: من نبيّك؟

فيقولُ: محمدٌ رسولُ اللهِ.

فيقولانِ: صدقتَ.

ثُمَّ يُفْسَحُ لهُ في قبرِهِ مَدَّ بصرِهِ، ويأتيهِ رجلٌ حسنُ الوجهِ، طيِّبُ الريحِ 

حسنُ الثيابِ، فيقولُ:

جزاك اللهُ خيرًا، فواللهِ ما علمتُ إن كنت لسريعًا في طاعةِ اللهِ، بطيئًا عن معصيةِ اللهِ.

فيقولُ: وأنت جزاك اللهُ خيرًا، فمن أنت؟

فيقولُ: أنا عَمَلُك الصالحُ.

ثُمَّ يُفْتَحُ لهُ بابٌ إلى الجنّةِ، فينظرُ إلى مقعدِهِ ومنزلِهِ منها حتى تقومَ الساعةُ.

وأنَّ الكافرَ إذا كان في دُبُرٍ من الدنيا، وقُبُلٍ من الآخرةِ وحضرَهُ الموتُ ونزلت عليهِ من السماءِ الملائكةُ معهم كَفَنٌ (من النّارِ وحنوطٌ من النّارِ) قال: فيجلسون منهُ مَدَّ بصرِهِ، وجاء ملكُ الموتِ (فيجلسُ) عِند رأسِهِ، ثُمَّ قال: اخرجي أيّتُها النّفسُ الخبيثةُ، اخرجي إلى غضبِ اللهِ وسخطِهِ، فتُفَرَّقُ روحُهُ في جسدِهِ كراهيةَ أن تخرجَ لما ترى وتُعايِنُ، فيستخرِجُها كما يُستخرجُ السَّفُّودُ من الصوفِ المبلولِ، فإذا خرجت نفسُهُ لعنَهُ كلُّ شيْءٍ بين السماءِ والأرضِ إلاّ الثَّقليْنِ، ثُمَّ يَصْعَدُ إلى السماءِ فتُغْلَقُ دونَهُ فيقولُ عزَّ وجلَّ:«ردُّوا عبدي إلى مضجعِهِ، فإنّي وعدتهم أنّي منها خلقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى».

فتُرَدُّ روحُهُ إلى مضجعِهِ، فيأتيهِ منكرٌ ونكيرٌ (يُثيرانِ في) الأرضِ بأنيابهما، ويفحصانِ الأرضَ بأشعارهما، أصواتهما كالرعدِ القاصفِ، وأبصارهما كالبرقِ الخاطفِ، فيُجلسانِهِ ثُمَّ يقولانِ:

 يا هذا من ربك؟

 يقولُ: لا أدري.

فيُنادَي من جانبِ القبرِ: لا دَرَيْتَ، فيضربانِهِ بمرزبَّةٍ من حديدٍ لو اجتمعَ عليها من بين الخافقينِ لم تُقَلَّ، ويضيقُ عليهِ القبرُ حتى (تختلفَ أضلاعُهُ) ، ويأتيهِ رجلٌ قبيحُ الثيابِ، منتِنُ الريحِ فيقولُ:

جزاك اللهُ شرًّا، فواللهِ ما علمتُ إن كنتَ لبطيئًا عن طاعةِ اللهِ، سريعًا (في) معصيّةِ اللهِ.

فيقولُ: ومن أنت؟

فيقولُ: أنا عملك الخبيثُ.

ثُمَّ يُفْتَحُ لهُ بابٌ إلى النّارِ، فينظرُ إلى مقعدِهِ حتى تقومَ الساعةُ».

الراوي: البراء بن عازب | المحدث: ابن القيم | المصدر: الروح الصفحة أو الرقم: 1/269 | خلاصة حكم المحدث: صحيح.

وجلسنا كأنَّ على أكتافنا خُلِقَ الصخرُ: بمعنى: لا يمكنهم الالتفات إلى أي شيء من هول الموقف.

كأنما على رؤوسنا الطيرُ:أي: لا يرفعون رؤوسهم من المهابة. 

المؤمنَ إذا كان في قُبُلٍ من الآخرةِ: أيّ: استقبالها.

ودُبُرٍ من الدنيا:أيّ: استدبارها وراء ظهره.

فتَنْسَلُّ نفسه: فتسيل أو تخرج نفسه.

كما تقطرُ القطرةُ من في السقاء: أيّ: من فم القِربة، كناية عن عدم 

إحساسه بخروجها. 

ويُشَيِّعُهُ مقربوها: أيّ: المُقرّبون عنّد الله من أهل كل سماء.

فيأتيهِ مُنكرٌ ونكيرٌ: اسما الملكين اللذين يسألان الشخص في قبره.

 يُثيرانِ الأرضَ بأنيابهما: أيّ: يشقانها بها.

ويفحصانِ الأرضَ بأشعارهما:أيّ: يحفرانها بشعرهما.

أصواتهما كالرعدِ القاصفِ: كالرعد المجُلجِل.

وأبصارهما كالبرقِ الخاطفِ: لا يمكن النظر إليها لشدّة لمعانها كالبرق.

كَفَنٌ من النّارِ: كفن حار.

 وحنوطٌ من النّارِ: بخور وزعفران وكافور من النار، فيكون مُنتِنًا كالجيفة، كريه الرائحة.

النّفسُ الخبيثةُ: المملوءة من الشرّ.

ترى وتُعايِنُ: بعينها، تواجه.

السَّفُّودُ: مشط من حديد ضيّق ما بين أسنانه خاص بالصوف.

فإذا كان الصوفِ مبلولاً ولصق بهِ فلا يخلص منه إلاّ بِشدّة وتعب، كناية عمّا يُعانيه من شدّة سَكَرات الموت عليه.

فيضربانِهِ بمرزبَّةٍ من حديدٍ: حديدة كبيرة كانوا يثبتون بها أوتاد الخيمة.

لو اجتمعَ عليها من بين الخافقينِ: الخافقان: أفق المشرق وأفق المغرب، لأن الليل والنهار يخفقان بينهما.

لم تُقَلَّ: أيّ: لم تحمل لثقلها.

ويضيقُ عليهِ القبرُ حتى (تختلفَ أضلاعُهُ): بضغطه ضغطة لشدتها تختلف منها أضلاعه، أيّ: ما في الجنب الأيمن من الأضلاع يدخل في الجنب الأيسر والعكس. 

* اللهُمَّ إنا نعوذ بِك من عذاب القبر وضمته وظلماته ووحشته. 

* اللهُمَّ آمِن روعاتنا عندما ينزل علينا ملكُ الموتِ، ويقعد عِنّد رؤوسنا، ونرى الملائكة مِن حولِنا.

اللهُمَّ أعِنّا على سكرات الموت.

اللهُمَّ اجعل نفوسَنا من النّفوس المُطمئِنّة التي يُقال لها عِنّد الموت:

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي) (سورة الفجر: 27- 28- 29- 30)

رجاء يوسف لوري

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news