العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

فلسفة البلاء (1)

دائمًا هناك حكمة فيما يجريه الله تعالى على عباده المؤمنين من بلاء، وهذه الحكمة قد تحار فيها العقول، وقد يفهمها المؤمن على غير الوجه الذي هي عليه.

والابتلاء ليس في الشر فقط، بل هو في الشر والخير، وذلك لأن هناك أناسا قد يصلحهم الخير، وأناسا قد يصلحهم الشر.

إذن، فالحق سبحانه وتعالى يبتلي العباد بما يصلحهم لا بما يعتقدون أنه خير لهم، فقد يظن العبد أن المال قد يصلحه، فيسأل الله تعالى أن يرزقه مالاً والله تعالى يعلم أن المال سوف يفسد العبد، ويجعله يطغى فلا يستجيب لدعائه، ويكون في ذلك كمال الإجابة لدعائه، يقول تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير) الشورى/ 27.

فكمال الإجابة للدعاء في هذه الآية هو المنع لا العطاء، وإن علم الله تعالى أن في العطاء خيرًا للعبد في عاجله وآجله أعطاه وفاض عليه بالنعم.

الآية الجليلة تؤكد أن اختيار الحق سبحانه لعباده خير لهم من اختيارهم لأنفسهم، وأن الله تعالى يعامل العباد بعلمه بأحوالهم، فهو الخبير بأحوالهم، البصير بمآلات ما يجريه عليهم من ابتلاءات، فيعطي إن كان في العطاء خير لهم، ويمنع إن كان في المنع خير لهم.

لقد قدم القرآن الكريم أمثلة على ذلك، فها هو قارون الذي آتاه الله تعالى من الكنوز ما إن مفاتحه تنوء بحملها العصبة أولو القوة، فكان ذلك من أسباب طغيانه وتكبره، قال سبحانه: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ  (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)) القصص.

وتحدث القرآن عن مصير قارون، وما آل إليه أمره، فقال تعالى: (فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم) القصص/ 80.

هذا قول طلاب الدنيا الحريصين عليها في كل زمان وفي كل مكان، أما أولو العلم، فكان لهم موقف آخر لأن الله تعالى أنار أبصارهم وبصائرهم، وعلموا مآلات الأمور: (وقال أولو العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقاها إلا الصابرون) القصص/ 80. 

أراد الله تعالى أن يجعل من قارون وأمثاله وسائل إيضاح لسننه التي لا تتبدل ولا تتغير، وجعل من ذلك درسًا وموعظة لمن يريد أن يتعظ من الطغاة والمستبدين في كل زمان وفي كل مكان قال تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) القصص/ 83.

لم يغفل الحق سبحانه أمر الفئة التي تمنت مثل ما أوتي قارون، وكان لا بد من أن يذكرهم ويذكر ما آل إليه أمرهم وذلك حتى تستكمل وسيلة الإيضاح مكوناتها، قال تعالى: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن منَّ الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون) القصص/ 82. ثم يختم الحق سبحانه وتعالى بيانه بالحقيقة الكبرى التي يجب أن يعيها طلاب المال والسلطان، قال تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) القصص/ 83.

وإليكم مثال آخر، إنه صاحب الجنتين في سورة الكهف الذي كفر بنعم الله تعالى عليه، وأعرض عن نصح صاحبه الذي أخلص له النصيحة، فلم يستمع إليه، وأعرض ونأى بجانبه عنه: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرًا من جنتك ويرسل عليها حسبانًا من السماء فتصبح صعيدًا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورًا فلن تستطيع له طلبا (41)) الكهف.

تلك كانت عاقبة الذين كفروا بنعم الله تعالى، وجحدوا فضله عليهم، ونسبوا كل نعمة وكل فضل لهم ولآبائهم وأجدادهم، فأذاقهم الله تعالى مرارة الحرمان، بعد أن ذاقوا حلاوة العطاء والإنعام. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news