العدد : ١٥٢٣٥ - الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٥ - الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

بصمات نسائية

أقول لمرضي الخبيث عذراً مشيئة الله أقوى

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٩ - 10:47

هاجمها السرطان في الثدي ثم العظام وأخيرًا في الدماغ.. وبالفن انتصرت في معركة الحياة

 أو الموت.. صاحبة إصدار «الأوسمة الثلاثة».. البطلة الفنانة ديانا علي الشيخ لـ«أخبار الخليج»:


أمام كل منا خياران عندما يواجه موقفا عصيبا، إما أن ينكسر أمامه فيصبح منهزما بائسا، أو يتقبله ويتعايش معه، فينتصر عليه!  هذا ما حدث مع الفنانة البطلة ديانا علي الشيخ، التي ترى أن المرء حين يشعر بالأسف على نفسه، فإنه لن يستطيع أن يحسن أداءه في الحياة، لذلك حين هاجمها مرض السرطان في الثدي ثم العظام ومؤخرا في الدماغ، لم تستسلم، بل قبلت بالتحدي، وقاومت، وصمدت، فانتصرت عليه في معركة الحياة أو الموت.في كتابها «الأوسمة الثلاثة» راحت تسرد قصتها مع هذا المرض الخبيث الذي حين تقرأه تدرك أنها بالفعل رمز للقوة، ونموذج للإيجابية، وقدوة في النضال من أجل البقاء، فهذا ما تستشعره من بين السطور، التي سردت من خلالها تفاصيل رحلة الألم التي صنعت منها الأمل في حياة جديدة، وذلك بعد أن قررت أن تتصالح معه، وأن تجعل منه صديقا. 

لقد اختبرها القدر بمحنة مرض عضال، فاجتازتها بامتياز، بالتسلح بالإرادة التي لا تقهر، وبالفن الذي عشقته بالفطرة، وجعلت منه رسالة للحياة من خلال ما تقدمه من إبداعات ترقى بالوجدان، ولمسات تسمو بالمشاعر. 

هناك العديد من القصص التي نسمع عنها، إلا أن القليل منها هو الذي يترك أثرا في نفوسنا، وقد يلعب دورا ما في تغيير سلوكنا أو نظرتنا للحياة، ومن بينها قصة تلك المرأة التي ترى الحياة معركة لا بد من خوضها، وتحديا يجب مواجهته، لذلك توقفنا عند أهم محطات الرحلة، وتصفحنا أوراق حكاية الأوسمة الثلاثة التي عنونت بها كتابها، وذلك في الحوار التالي: 

حدثينا عن نشأتك؟

نشأت في بيت أشبه بمعرض فني، تزين حوائطه لوحات فنية جذابة، الأمر الذي جعل مني إنسانة مرهفة الحس، عاشقة للفن، وقد ورثت هذا الشيء عن والدي الفنان المولع بجمال اللون والمعني، والذي أدين له في تعلمي كل أشكال الفنون، حيث لم أرد أن أحصر نفسي في مجال أو مدرسة بعينها، لذلك أراني فنانة شاملة، ولاتزال كاميرا الهاتف النقال شاهدة على قصصي في الحياة، وأبرزها قصة مواجهتي لمرض السرطان. 

كيف بدأت قصتك مع السرطان؟

قبل المرض كانت حياتي كخلية نحل، أتمتع بنشاط وحيوية بالغين، لا أكل ولا أمل من برامجي المتعددة، ففي خيالي تتراقص الأفكار والمشاريع دائما، وكثيرا ما أترجم في لوحاتي أفكاري وفلسفتي في الحياة، وبعد اكتشافي للمرض شعرت للوهلة الأولى أن عجلة الحياة قد توقفت، وكنت على وشك الاستسلام، وتسليم جسدي فريسة سهلة ليفتك به السرطان، ولكني سرعان ما انتفضت وتمردت عليه، وذلك بدعم من حولي، وخاصة طبيبي الألماني، وقررت أن أهزم المرض، وأعود إلى ممارسة حياتي بشكل طبيعي وحيوي كما كنت في السابق.

متى كان الهجوم الأول؟

في الهجوم الأول شعرت بألم يخترق صدري كسكين حاد، يطعنني من جانب الصدر الأيمن، وتلمست كرة صلبة بحجم كرة تنس الطاولة، حينئذ ساورتني الشكوك، فزرت الطبيب، وبعد الفحص كانت الصدمة، حين أبلغني بحقيقة مرضي، فشعرت بصاعقة ضربت كياني، وتم استئصال الورم على وجه السرعة، وتوجهت بعدها بأسبوع إلى ألمانيا، حيث تم إخضاعي لعملية ثانية، بعد أن اكتشفوا وجود بقايا لخلايا سرطانية أخرى، وبعد عامين بدأ الهجوم الثاني.

وكيف كانت المعركة الثانية؟

بعد الهجوم الأول بعامين تقريبا، بدأت معركتي الثانية مع السرطان، وذلك حين بدأت أعرج في المشي بسبب آلام في الورك، واشتد الألم تدريجيا، فذهبت إلى مقر علاجي في ألمانيا، واتضح أن هناك خلايا سرطانية تسللت متخفية لتعسكر في عظامي، وفي هذه المرة أقعدني السرطان عن الحركة، وبدأت استخدام الكرسي المتحرك، وخضت رحلة العلاج، وما زال لليوم يقبع في عظامي، وإن كان العلاج الكيماوي لم يقض عليه بل سيطر على الحالة، وهذا يعتبر انتصارا في حد ذاته كما قال لي طبيبي.

وماذا عن الحرب الثالثة؟

لقد بدأت المعركة الثالثة بوصول السرطان إلى رأسي، حيث تم اكتشاف ورم في المخ، وكان ذلك بالنسبة إلي بمثابة ولادة ثالثة، ولا شك أن الصدمة كانت موجعة في البداية، حيث ظننتها النهاية، ولكني أجريت جراحة سريعا، وبفضل الله سبحانه وتعالى تم استئصال الورم بنجاح، وانتصرت على مرضي للمرة الثالثة.

من كان أكثر الداعمين لك في هذه الأزمات؟

لولا دعم زوجي لي، ومساندته الكبيرة، ووقوفه إلى جانبي في كل هذه المراحل، لما تمكنت من عبور هذه الأزمات بكل قوة، حتى أن ابنتيّ كنت قد صارحتهما وكانتا صغيرتين في العمر ولم تدركا جيدا خطورة هذا المرض، وقد كانت صدمة لهما في البداية ولكن مع الوقت وخاصة في ظل تماسكي تقبلتا الأمر ونظرتا لي على أنني رمز للقوة والتحمل. 

ما أصعب مرحلة؟

أصعب فترة مررت بها هي تلك التي اضطررت فيها إلى السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وتركت خلالها ابنتيّ شهرين تقريبا، وكان قرارا قاسيا على نفسي، والحمدلله بدعم زوجي وأهلي تخطيت هذه المرحلة، وهذا يؤكد أن المريض بهذا المرض يكون بحاجة إلى دعم معنوي بالدرجة الأولى كي يتخطى جميع الصعوبات والأزمات التي تواجهه.

كيف كانت فترة العلاج بالخارج؟

كنت محظوظة جدا في علاجي بالخارج، لدى طبيب ألماني متخصص، وكانت المعاملة طيبة، كما أن الأجواء المحيطة من مناظر طبيعية خلابة كانت ترفع من معنوياتي كثيرا، وبعد أن تجاوزت المراحل الصعبة بعد عملية استئصال الورم من الرأس، قررت العودة إلى أحضان الوطن لاستكمال العلاج فيه، حيث الراحة والسعادة وسط الأهل والأحبة، وذلك بعد فترة طويلة من الغربة وعذاباتها، وقد ساعدني فني كثيرا خلال هذه الرحلة. 

هل ساعدك فنك على التصالح مع مرضك؟

حين بدأت العلاج الكيماوي، وظهرت علي أعراضه الجانبية، تماسكت وتكيفت مع الوضع والشكل الجديدين، حيث كنت في البداية أنظر إلى جرعة الكيمو الحمراء وهي تخترق وريدي، وتجرعني الألم، فأصبح اللون الأحمر بالنسبة إلي حزينا، رغم أنه لون البهجة والحرارة والحياة لكل فنان، وبعد فترة قصيرة فكرت كيف يمكن للألوان أن تتغير، وأن تحزن وتجرح وتؤلم، فأخذت لوحة بيضاء كبيرة، وسكبت عليها اللون الأحمر، وفرغت فيها جرعة الألم، وأخذت أصباغا من الألوان التي أحبها، وسكبتها لتساند الأحمر الذي تصالحت معه، وشكرته على وقوفه بجانبي في مهمتي الصعبة، وحرصت أن أقدم رسالة ما في كل عمل فني. 

ألم تطاردك فكرة الرحيل؟

الإجابة على هذا السؤال اختزلها أحد الشعراء في البيت الذي يقول: 

كم من صحيح مات من غير علة.. وكم من سقيم عاش حينا من الدهر!

لذلك لم يرعبني الموت، إلا عندما لبس السرطان أبشع أقنعته وقبع في رأسي مستترا في أكثر الأماكن حساسية في جسدي وهو المخ، ولكن بعد إزالة الورم شعرت بالانتصار وزال كثير من مخاوفي.

هل تتوقعين معركة أخرى قادمة؟

لقد سألت طبيبي الألماني نفس هذا السؤال، وعن المكان المتوقع إصابته في حال عودته مرة أخرى، وقد قال لي إنه سوف يجيبني فقط لأنه يراني امرأة متميزة ومتفائلة وقوية بل وخارقة، حيث لم يستبعد عودته ليصارعني من جديد فهكذا يفعل مع الأقوياء، وأنه قد يهاجم أي مكان في جسدي، مؤكدًا ثقته أنني سوف أهزمه بقوة احتمالي، خاصة أنه يعلم أنني اعتبرت معاركي الثلاث مع هذا المرض أوسمة على صدري، ومن هنا جاءت فكرة كتابي. 

وما الهدف من إصدار كتابك «الأوسمة الثلاثة»؟

لقد قررت أن أفعل شيئا يجعل من تجربتي مشعلا يضيء حياة الآخرين، ويبقى إن لحقني الفناء، وأن أترك بصمة لا يمحو أثرها شيء، فجاءت فكرة كتابي ليصبح بصيص أمل، ودليل درب، لمن وجد نفسه في هذا الطريق بلا اختيار، ورغم أن سرد الأحداث في هذا الإصدار كان فيه الكثير من الألم، إلا أنه يحمل بين طياته الكثير من الأمل.

لمن توجهين هذا الكتاب؟

لقد ذكرت في كتابي أن هذه هي قصتي أسردها بكل مشاعرها، وأفكارها لعلي أخفف بها وطأة خبر مفجع لأحدهم، أو أواسي بها من يعاني بين أروقة المستشفيات باحثا عن سكن لآلامه التي تكبدتها وشعرت بوخزها أياما طويلة، كما أنني أكتب هنا لكل أم مصابة تخشى أن يفترس المرض جسدها، فتترك أطفالها في متاهة الحياة، ولكل قريب في لحظة حيرة بين خشية أن يفقد في الحياة عزيزا، وأن يكون داعما يمنح الأمل في الشفاء، ولآلاف الأرواح التي عذبها المرض. 

لمن أهديت كتابك؟

أهديت كتابي إلى أولئك الأبطال الذين يناضلون في الخفاء، وإلى تلك الأرواح الصامدة في معارك السرطان، وإلى الأقوياء الذين يهزمون المرض بصبرهم وكفاحهم، وإلى المبتسمين رغم الآلام.

ما سلاحك في معركة السرطان؟

لقد سألت نفسي في بداية المرض وقلت إن هذا المرض حرمني من التنعم بالصحة، فلماذا أسمح له بحرماني من المزيد من نعم الحياة؟ وهنا تسلحت بالإيمان القوي وتوصلت إلى أن الشفقة على الذات تمنعنا من التقدم في حياتنا، لذا قررت أن أختار التحكم في زمام الأمور بدلا من تركها تتحكم بي، فالإنسان عندما يهاجمه وحش شرس إما أن يهرب أو يستسلم أو يقاوم، وشخصيا قررت التصالح مع المرض وجعلت منه صديقا، حتى أنه صنع مني فنانة مبدعة لها بصمة مميزة في عالم الفن التشكيلي النسائي.

ماذا كانت رسالة معرض «حروف الأمل»؟

لقد قررت أن أستجمع قوتي، وأرسم العديد من اللوحات لإقامة معرض فني سميته «حروف الأمل» وكانت جميع لوحات المعرض تحمل كلمات ذات معنى، وقيما تلامس الروح، لتبث العزيمة والتفاؤل، فمنها لوحة تحمل كلمات مثل أمل وإرادة ورحمة وإصرار وإيمان وغيرها، وبلغ عدد لوحاتي حوالي خمس وأربعين لوحة وكان ذلك أثناء علاجي من سرطان العظام، وقد خصصت ريع هذه اللوحات لإحدى الجمعيات الخيرية التي تعنى بالأطفال المصابين بمرض السرطان.

ما أقرب عمل إلى قلبك؟

أقرب لوحة إلى نفسي هي تلك التي جمعت فيها كل بطاقات الصعود إلى الطائرة التي سافرت بها خلال سنوات العلاج، وقد رمزت إلى نفسي بوجه ارتسمت عليه ملامح القوة والشموخ، وهو يتوسط هذه البطاقات، في إشارة إلى رحلة العلاج والألم والانتصار.

ماذا علمتك تجربة المرض؟

على فراش المرض تولد لدي الكثير من القيم الجديدة، وثمة حكم تتجلى وتنمو في مخيلتي، وهناك أسئلة كثيرة تفرض نفسها، أهمها ما معنى الحياة؟ فوجدت أنه هو ما نقدمه لا ما نحصل عليه، فنحن نركز غالبا على ما ينقصنا، ونركض في دوامات الوهم، آملين أن نحصل على العديد من الأشياء في الدنيا، ونجهل أن ما ينقصنا أحيانا هو فضل ونعمة، لأن النقص يجعلنا في حركة مستمرة للبحث عن الكمال، ومن ثم يصبح هذا السعي الدائم في الحياة هو سر الفلاح والنجاح والخلاص من كثير من المواقف الصعبة التي نمر بها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news