العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

بعد مرور عامين على «الأزمة الخليجية» .. ما زالت قطر تكابر وتتعنت

بقلم: د.عمر الحسن

الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

بحلول هذا الشهر «يونيو 2019» يكون قد مر عامان على مقاطعة الدول الأربع، وهي «المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات، ومصر»، سياسيا واقتصاديا لقطر، فيما يُعرف بـ«الأزمة القطرية»، أو «الخليجية». ومع دخول المقاطعة عامها الثالث نحاول في هذا المقال استعراض ما آلت إليه هذه الأزمة، وهل توجد هناك أي مؤشرات لإنهائها والخروج منها، وهل مازالت مبادرة الصلح قائمة لعودة المياه إلى مجاريها، خاصة أن دول الخليج واقعة بين مطرقة وسندان إيران وأمريكا وهو ما يتطلب التكاتف والوحدة.

كانت الدول الأربع قد قطعت علاقاتها الكاملة مع قطر، في5 يونيو2017 لأسباب عدة ارتبطت بمواقف وتصرفات الدوحة، منها دعمها لجماعات إرهابية متطرفة، والترويج لأدبياتها ومخططاتها عبر وسائل إعلامها، ووقوفها إلى جانب طهران المعادية لدول الخليج، وتدخل قطر في الشؤون الداخلية للدول الخليجية، وزعزعة أمنها واستقرارها، من خلال إعلامها واحتضانها جماعات إرهابية وأفرادا مطلوبين لتلك الدول، بالإضافة إلى عدم الالتزام بما نص عليه النظام الأساسي لمجلس التعاون ولا بقراراته.

وحددت الدول الأربع يوم 22 يونيو 2017. قائمة تضم ثلاثة عشر مطلبا، على قطر تنفيذها، وهي نفس المطالب التي وافق عليها الأمير «تميم» كتابة عامي 2013/2014 في اتفاقي الرياض أمام الملك عبدالله، بضمانة أمير الكويت، وشهادة قادة دول مجلس التعاون حتى تتمكن من العودة إلى بيتها الخليجي والعربي. وبمعنى أدق، طالبت هذه الدول قطر بأن تكون دولة منسجمة مع محيطها الخليجي والعربي على جميع الأصعدة (عسكريا - وسياسيا - و‎اقتصاديا - وأمنيا - واجتماعيا). 

وفي واقع الأمر، لم تكن المقاطعة أمرا مفاجئا أو وليد اللحظة، فقد سبق أن سحبت الرياض وأبوظبي والمنامة سفراءها من الدوحة، بعد أن تراجعت الأخيرة عن اتفاق الرياض عام 2013. واستمرت الأزمة تسعة أشهر، ولم يعد السفراء إلا بعد أن وقع الأمير تميم على الاتفاق التكميلي عام 2014. والذي ذهب خطوة أبعد بخلق آلية تنفيذية لضمان التزام قطر التام ببنود اتفاق 2013.

وبالقراءة لهذه المطالب نلاحظ أنها هي نفس ما نصت عليه اتفاقيتا الرياض ومخرجات القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عقدت في السعودية مايو 2017. وهو ما يبطل أي حجة أمام قطر لرفضها؛ حيث جاءت بمثابة إعادة صياغة للاتفاقات السابقة، ولكن هذه المرة بطريقة لا تسمح لقطر بالتهرب من التنفيذ.

وحرصت الدول الأربع على تشجيع وساطة أمير الكويت والترحيب بها، وجاءت تصريحاتها في هذا الشأن تثمن هذه الجهود من أجل حل الخلاف الذي أضر بالدول الخليجية وبمجلسها، وبوحدة موقفها؛ باعتبار أن التحديات والمخاطر عديدة في المنطقة تتطلب تعزيز مفهوم التعاون للحفاظ على الأمن الإقليمي. غير أن قطر لم تبد رغبة في ذلك، وعملت على إفشال كل مساعي وجهود الحل، واتخذت قرارات عدائية تتعارض مع مصالح أشقائها بدول مجلس التعاون، وبحثت عن داعم ومساند لها في وجه أشقائها؛ فلجأت إلى إيران وتركيا، ودخلت معهما في تحالفات تضر بأمن واستقرار دول المنطقة، وإمعانًا في الاستفزاز قامت باستضافة قاعدة عسكرية تركية على أراضيها، لتغدو دولة غير منسجمة مع مجلسها الخليجي، وغير ملتزمة باتفاقياته ولا بنظامه الأساسي. 

وبدلاً من الاستجابة لمطالب الدول الأربع التي تريد إعادتها إلى بيتها الطبيعي الخليجي والعربي والهادفة إلى تصويب سياسة نظامها؛ استمرت في المكابرة والتدخل في شؤون هذه الدول الداخلية بشكل يمس أمنها واستقرارها عبر التآمر على أنظمتها أو عبر شن إعلامها حملات؛ بهدف شق الصف الخليجي والعربي وتنظيم منتديات ومؤتمرات تستهدف ليس فقط دول مجلس التعاون، بل حتى المجلس نفسه، حيث بدأت في التشكيك بفاعليته ووصفه بـ«الميت سريريا».

ومع مرور سنتين على الأزمة الخليجية، ودخولها عامها الثالث من دون نجاح الوساطات أو بدء حوار في ظل رفض قطر المتواصل لمطالب الدول الأربع؛ برز أمل وحيد ظهر ثم اختفى سريعًا حيث اعتبر بعض المحللين أن مشاركة رئيس وزراء قطر «عبد الله بن ناصر بن خليفة» - والتي يُقال أنها جاءت بعد ضغوط أمريكية - في قمم مكة الثلاث التي دعت إليها السعودية أواخر مايو الماضي؛ لمناقشة الأزمات الإقليمية وإجراء مباحثات حول التصرفات والتدخلات الإيرانية»؛ هي خطوة إيجابية، وقد تكون بداية نهاية الأزمة القطرية، وذوبان لجليد الصراع المتجمد بين الطرفين باعتبار أنها قد توفر لقطر المساحة اللازمة التي يمكن اغتنامها لتنتهي الأزمة وفق الشروط التي سبق ووقعت عليها، حرصًا على أمنها وأمن أشقائها وللعمل معا على وقف نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد تشعل المنطقة، وتأكل الأخضر واليابس، وتكون هي من المتضررين منها. 

واستند هؤلاء إلى عدة عوامل أبرزها: 

أولا: تهديد الأمن القطري، فالصراع الدائر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، يمكنه المساس بالمصالح الاقتصادية والأمنية لقطر. وقد تشجع تلك المخاوف الدوحة على التفكير في العمل مع أشقائها في دول مجلس التعاون من أجل الحد من تلك المخاطر والتهديدات. ويوضح «باتريك وينتور» في صحيفة «الجارديان» أن «لدى قطر مصلحة اقتصادية في التأكد من أن منشآت الغاز والنفط ليست مستهدفة من قبل الهجمات التي قد تشنها إيران أو أذرعها وعملاؤها، في حال وقوع حرب ما، كما أن استضافتها لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج يجعلها عُرضة لأن تعلق وسط نزاع أمريكي إيراني رغم علاقاتها الوثيقة مع كلا الجانبين».

ثانيا: رغبة الدوحة في الحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لها على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري. فقد مارس الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ضغوطًا ولكنها رخوة لإنهاء الأزمة؛ زاعمًا أن «وجود انقسام بين حلفائه يضعف أجندته السياسية الإقليمية الأوسع المتمثلة في تقويض مناهضة الخطر الإيراني»، حيث تتطلب المواجهة الفعالة لإيران ووكلائها أن تتحد دول مجلس التعاون بقيادة الولايات المتحدة، كما أن أزمة قطر عاقت جهوده في عقد قمة أمريكية - خليجية بهدف إنشاء ما يُعرف بـ «الناتو العربي»، كقوة عسكرية للتصدي لإيران الذي يشمل دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، عمان)، ومعها الأردن ومصر. 

ثالثا: توقع بعض المحللين أن حضور قطر قمم مكة الثلاث، أعطى بادرة أمل على انفراج الأزمة باعتبار أنها قد تخلق أجواء حوار مباشر يساعد على تخفيف حدة التوتر ويوفر الفرصة لعقد محادثات حول الأمن الإقليمي، بما في ذلك القضايا الأمنية المشتركة بين دول مجلس التعاون». وتوقع «فراس مقصد» من جامعة «جورج تاون» بواشنطن، أنه «بصرف النظر عن مستوى التمثيل القطري في القمم الثلاث، فمن المتوقع حدوث بعض الانفراج في العلاقة بين الطرفين».

ورغم هذا التفاؤل رأى آخرون أن مثل هذا التقارب ليس جوهريا، بل هو انحراف قصير المدى لأزمة ستظل نشطة لسنوات قادمة، وذلك للأسباب التالية: 

أولاً: عدم استجابة قطر لمطالب دول المقاطعة، فالمتتبع لسلوك قطر بعد مرور عامين على مقاطعتها يلاحظ بوضوح أنها لم تتخل عن مواقفها وسياساتها التي كانت السبب وراء هذه الأزمة، سواء ما يتعلق منها بدعم وتمويل واحتضان التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وإيواء المطلوبين أمنيا على أراضيها، أو ما يتعلق باستمرار التدخل في الشؤون الداخلية لعديد من دول المنطقة، أو توظيف منابرها الإعلامية في مهاجمة دول مجلس التعاون بشكل منهجي، وعلى مدار الساعة بغض النظر عما تسببه من أضرار للأمن القومي ولمكانة تلك الدول ورموزها. 

ثانيا: مخالفة قطر الإجماعين العربي والخليجي، بتنصلها بأثر رجعي من المواقف التي عبرت عنها القمتان الخليجية والعربية بمكة، بدعوى أنها تتعارض مع سياستها الخارجية، وخاصة تلك التي تحدثت عن وحدة دول المجلس وإدانة إيران. واللافت للنظر، أن التحفظ القطري جاء بعد يومين من انعقاد القمتين، ما يشير إلى أنها تعرضت لضغوط من إيران لتغيير موقفها، حيث كان بمقدورها إبداء وجهة نظرها أثناء فعاليات القمتين، لكن يبدو أنها أرادت من وراء تحفظها، دعم موقف طهران المشكك في القمتين، وإعطاء الانطباع بوجود انقسامات وخلافات بين الدول الخليجية والعربية. وتشير «بيكا فاسر» من مؤسسة «راند» إلى أن الموقف القطري يعرقل أي جهود للتسوية وغير جاد في تحقيقها». كما أن التحفظ القطري يعني أن سياسة قطر تؤكد أن ارتباطها بأشقائها أصبح ضعيفا في الوقت الذي أصبحت تستنجد بالوسطاء لإنقاذها من أزمتها.

ثالثًا: عدم تأثر الدول الخليجية، بقطع العلاقات مع قطر، ترى دول الخليج أنه لا حاجة ملحة إلى التنازل عن مواقفها، فاقتصادها لم يتأثر، وكذلك أمنها القومي، ومن ثم ليس لتلك الدول حافز لإنهاء مقاطعتها من دون أن توافق الدوحة على مطالبها. يبين «ديفيد دي روش» من مركز «الشرق الأدنى للدراسات الاستراتيجية» بجامعة الدفاع الوطني بالولايات المتحدة أن «دول المقاطعة، أظهرت أن بمقدورها الحفاظ على موقفها إلى أجل غير مسمى بكلفة بسيطة». وتؤكد «كورتني فراير»، من «مركز الشرق الأوسط»، أنه «في ظل غياب أي تغييرات محتملة في الحسابات الإقليمية لمراكز القوة، من الصعب رؤية كيف يمكن أن ينشأ قرار مصالحة محتمل يؤدي لإرضاء الجانبين» وعودة الأمور إلى سابق عهدها.

وتشير «جين كينينمونت» من «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، «تشاتام هاوس»، إلى أن «السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن النزاع بين قطر والدول الأربع سوف يستقر في نمط ووتيرة ثابتة لعدة سنوات، ولا يبدو أن أي من الطرفين مستعد للتسوية؛ في ضوء أن كل طرف مقتنع بأنه على صواب».

وتزداد الأمور تعقيدا، في ظل المحاولات والأدوار السلبية التي يؤديها البعض من قلب للحقائق وإثارة المشكلات وافتعال للأزمات، والنزاعات بين دول مجلس التعاون من دون مراعاة لقيم أو قانون أو التزام بثوابت العلاقات الخليجية - الخليجية، ويأتي على رأس هؤلاء، رئيس الوزراء القطري السابق، حمد بن جاسم، الذي أبعد بعد تنحى الأمير الأب عن الحكم إلى ابنه الأمير تميم، وذلك عبر لقاءاته الصحفية وتغريداته. 

ففي حديثه، مع صحيفة «التليجراف» البريطانية يوم 14/6/2019؛ بمناسبة الذكرى الثانية للمقاطعة، اعترف «بن جاسم» بالعلاقات الوطيدة بين قطر وإيران، لافتًا إلى أنها أصبحت بوابة الدوحة برًا وجوًا وبحرًا، وأن إعلان عداوتها أصبح مستحيلاً. وأساء في معرض حديثه للمملكة العربية السعودية، والتي ظهر بشكل واضح حقده ونقمته عليها، حيث ذكر أن من قام بتفجير برجي التجارة معظمهم سعوديون، مع أن قطر هي التي تدعم الدواعش ورموز التطرف وتستضيفهم على أراضيها. وزعم أيضًا أن السعودية تتخذ إجراءات ضد قطر بسبب الغيرة منها، وادعى أنها تمنع القطريين من أداء مناسك الحج والعُمرة، وهو الأمر الذي نفته الرياض، فضلا عن زعمه المجافي للواقع والحقيقة بأنها تحاول تقويض استعدادات قطر لاستضافة كأس العالم 2022. مع أن الإعلام البريطاني والغربي بشكل عام كشف تفاصيل الرشى القطرية التي كان من نتيجتها منح قطر كأس العالم، ويعمل على إلغاء الاستضافة، وليست السعودية. 

وفي إحدى تغريداته، يتباكى «بن جاسم» على مجلس التعاون ويطالب السعودية بأن تنحاز للمصلحة الخليجية من أجل الإبقاء على مجلس التعاون الخليجي، متناسيا تآمره مع الأمير الوالد ومعمر القذافي على السعودية وعلى حياة المرحوم الملك عبدالله بالصوت والصورة وهو ما أضر بالعمل الخليجي المشترك، هذا إلى جانب دعم النظام القطري الجماعات المتمردة السعودية والبحرينية والإماراتية في الداخل والخارج. صحيح كما يقول بن جاسم أن ذكرى المقاطعة مؤلمة وحزينة على الشعوب الخليجية، لكن النظام القطري سببها.

على العموم، مع حلول الذكرى الثانية لمقاطعة قطر، واضح أن الدوحة لم تتمكن من فك أزمتها، بل عمقتها وزادت من عزلتها، وتفاقمت مشاكلها السياسية والاقتصادية. وبينما تبدأ المقاطعة عامها الثالث ما زالت الدوحة ترفض كل المبادرات والحلول المطروحة، وتفوت الفرصة تلو الأخرى، وتتمسك بمواقفها التي تبعدها عن محيطها الخليجي العربي، وتزيد من عناء شعبها وتهدد مستقبل مجلس التعاون الخليجي، وفي ظل هذا التعنت والمكابرة لا أحد يمكنه –للأسف- أن يتنبأ متى تنتهي هذه الأزمة، فقد يأتي العام القادم أو الذي بعده والأزمة مازالت مستمرة.

ولعل هذا ما يدفعني إلى مناشدة حكماء دول مجلس التعاون، وأصحاب الفكر - وهم كثر - للدعوة إلى عقد اجتماع تحت رعاية مجلس التعاون يقدم حلولا لهذه الأزمة، التي قد تقضي على إنجازات حققتها هذه الدول على مدى 38 عامًا، والتقدم بما تتوصل إليه من توصيات ومقترحات إلى القمة الخليجية القادمة، أو تقديمها مباشرة إلى أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس كل على حدة، من منطلق أن الأزمة خليجية ويجب أن تحل داخل البيت الخليجي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news