العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

الرئيس ترامب و«دبلوماسية الأزمات»

بقلم: فيليب جيلي

الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠١٩ - 10:53

 

لقد بات واضحا أن الرئيس الأمريكي يستخدم في سياسته الخارجية «دبلوماسية الأزمات» في تعامله مع أكثر من دولة وملف. يبدو أن سيد البيت الأبيض لا يعترف إلا بأسلوب القوة وإبرام الصفقات، ليس على أساس «الكل يربح» بل على أساس «الرابح والخاسر». في الوقت الذي تتراكم فيه الأزمات العالمية والملفات الحارقة بدأت الانتخابات الرئاسية، المزمع إجراؤها سنة 2020. تقترب لتمثل محكا مهمًّا لجدوى السياسة الخارجية التي تنتهجها إدارته. 

من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب تستخدم تقنياته وأساليبه ومناوراته المفضلة في إدارة المفاوضات التجارية على أكثر من جبهة وهو يناطح أكثر من دولة ويعتمد كل السبل من أجل جر خصومه إلى التفاوض من موقع ضعف، لا من موقع قوة.

يبدي الرئيس ترامب أحيانا بعض الليونة ويلجأ أحيانا أخرى إلى أسلوب الاستفزاز من أجل زعزعة خصومه كما أنه يحيط خياراته وقراراته ببعض الغموض ولا يتردد في استخدام تقنيات التسويق للترويج لنتائجه التي يحققها. 

أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم اليوم هذه الأساليب على أكثر من جبهة مع نتائج متباينة. لا ترتقي هذه الأساليب والتكتيكات إلى مستوى النظرية أو العقيدة، مثلما كان عليه الأمر في عهد إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، الذي شهدت فترة حكمه سطوة المحافظين الجدد. هناك عدة تساؤلات تطرح بشأن أمهات الملفات القائمة الآن: 

1- هل تكفي هذه الأساليب والتكتيكات لكي تبني استراتيجية سياسية خارجية ناجحة ورابحة؟ هل يمكن للولايات المتحدة الخروج منتصرة من حربها التجارية المتصاعدة، والتي تزداد ضراوة ضد الصين؟. 

أكد الرئيس دونالد ترامب أنه يعشق «الرسوم الجمركية». يقول أنصاره إنه يرى أن هذه الرسوم تدفعها الدول الأجنبية كضرائب مباشرة تدخل إلى الخزينة الأمريكية في مقابل السماح بدخول منتجاتها إلى السوق الأمريكي. 

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «إننا سنحصل على عشرات العمليات من الدولارات» وذلك بعد أن فرض رسوما جمركية بنسبة 25% على المنتجات الصينية في حدود مبلغ 200 مليار دولار. أثارت هذه الإجراءات جدلا واسعا بين علماء الاقتصاد، الذين اعتبر بعضهم أن المستهلك الأمريكي هو الذي سيدفع الفاتورة في نهاية المطاف. 

يقول لاري كودلو وهو أحد مستشاري الرئيس دونالد ترامب: «الجميع سيدفعون»  في الأثناء أعلنت الصين أنها ستتخذ بداية من يوم 1 يونيو 2019 إجراءات ردا على الضرائب التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على منتجاتها وهي تنوي على وجه الخصوص استهداف المزارعين الأمريكيين. 

في الحقيقة، أشعل الرئيس ترامب فتيل الحرب التجارية ضد الصين منذ انتخابه ودخوله إلى البيت الأبيض. تعكس هذه الحرب التجارية واحدة من هواجسه التي تسبب له ما يشبه الهوس. فهو يريد أن يعالج معضلة العجز التجاري الكبير الذي تتخبط فيه الولايات المتحدة الأمريكية. 

يجب ألا نعتقد أن الرئيس ترامب معزول أو أن قلة فقط تسانده في حربه التجارية ضد الصين وغيرها من البلدان الكبرى الأخرى. فهو يحظى بالإشادة والتأييد من الكثير من الأمريكيين في سعيه لمكافحة بعض الأساليب والسياسات التجارية التي يعتبرون أنها لا تخدم مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى التصدي لعمليات القرصنة والتجسس الصناعي وسرقة المعلومات التكنولوجية الأمريكية.

لقد فرض الرئيس دونالد الطوارئ من أجل حماية الشبكات التلفونية الأمريكية من سطوة شركة هواوي الصينية العملاقة، لقد كان يمكن للرئيس ترامب أن يوجع الشركة الصينية أكثر من خلال التحالف مع الحلفاء الأوروبيين الذين يواجهون نفس المشكلة غير أنه خير أن يخوض الحرب وحيدا، مع فتح جبهة أخرى تعلي بالمبادلات التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي. 

سعيا لتبرير التصعيد الحالي في الحرب التجارية فقد أنحى الأمريكيون باللوم على الصينيين وحملوهم المسؤولية عن التراجع عن إبرام اتفاقية من 150 صفحة وسبعة فصول بعد أن اكتملت بنسبة 95% - وهو أيضا ما ردده الرئيس ترامب على حساب تويتر. اصطدمت المفاوضات بالمطالب المتعلقة بإدخال تعديلات تشريعية في الصين من أجل ضمان إيفاء سلطات بكين بالتزاماتها كاملة. 

يتمثل الرهان الحقيقي في هذا الصدام بين القوى العظمى وفي هذا التشكيك الأمريكي في «رأسمالية الدولة الصينية». رغم أنه لا يزال بالإمكان التوصل إلى اتفاق جزئي يخدم مصلحة الرئيس ترامب في سنته الانتخابية الحاسمة سنة 2020 فإن مثل هذا الاتفاق المنقوص لن يكون كافيا لكي يحقق المصالحة بين نظامين وطموحات متناقضة. يقول كريس جارسيا، الذي كان بمثابة الرجل الثاني في وزارة التجارة الأمريكية: «يجب على الأمريكيين الاستعداد لخوض حرب تجارية باردة وطويلة الأمد ضد الصين».

2- هل الرئيس دونالد مستعد للحرب ضد إيران فعلا؟ 

أرسل الرئيس دونالد ترامب ترسانة عسكرية تضم حاملة للطائرات وعدة قطع حربية أخرى إلى مياه الخليج في إشارة مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية سترد بكل قوة على أي هجمات قد تشنها إيران أو أذرعتها التي تدور في فلكها في المنطقة. قامت سلطات واشنطن بإجلاء الموظفين الأمريكيين التابعين للسفارة الأمريكية وشركة إكسون موبيل وهو ما جعل المراقبون والمحللون يقولون إن طبول الحرب قد بدأت تقرع. 

 قامت سلطات البنتاجون بعد ذلك بتحديث خططها في صورة نشوب نزاع مفتوح مع إيران، وهي خطط تتضمن نشر 120 ألف جندي في المنطقة. لن يكون هذا العدد كافيا - على ضخامته - من أجل اجتياح بلد يسكنه 81 مليون نسمة، علما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد أرسلت 171 ألف جندي من قوات المارينز من أجل غزو العراق والاستيلاء على بغداد سنة 2003. 

لم يعط الرئيس ترامب الضوء الأخضر لمثل هذا السيناريو الذي أعده الصقور في إدارته غير أنه وجه تحذيرا شديد اللهجة إلى الإيرانيين من مغبة أي استفزازات، لأنهم سيرتكبون بحسب قوله «خطأ فادحا». عمل بسياسة العصا والجزرة فقد دعا الإيرانيين إلى الدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، مشددا على إمكانية التوصل إلى ما أسماه «الاتفاق العادل». 

قال الرئيس دونالد ترامب «كل ما نريده هو منعهم من امتلاك أي أسلحة نووية. يمكننا أن نساعدهم لكي يقفوا على أرجلهم. أتطلع إلى اليوم الذي يمكننا خلاله مساعدة إيران على النهوض». أما وزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره للأمن القومي جون بولتون فقد دعوا علنا إلى تغيير نظام الحكم في طهران. 

لا شك أن الرئيس ترامب يأمل في الدخول إلى أي مفاوضات مع إيران من موقف قوة من أجل إجبار نظام الملالي على الخروج من مناطق النفوذ التي سيطروا عليها في المنطقة، وخاصة في عمق المنطقة العربية. منذ إعلانه في شهر مايو 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم سنة 2015 راح الرئيس دونالد ترامب يضيق الخناق على نظام الملالي في طهران من خلال تشديد العقوبات المفروضة على الصادرات النفطية الإيرانية وإدراج الحرس الثوري الإيراني - ركيزة النظام الثيوقراطي في طهران - على قائمة الإرهاب. 

هذا لا يعني أن إدارة الرئيس ترامب ستندفع في مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر. إن الاعتماد على العقوبات المتصاعدة ضد نظام الملالي في طهران من أجل تركيعه يظل أيضا محفوفا بالمخاطر. يكفي أن يحدث اعتداء بحري أو هجمات تستهدف مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والدول الحليفة لها لكي تقابل بإطلاق وابل من الصواريخ في إطار الفعل ورد الفعل أو الرد على الاستفزاز من أجل درء الأخطار. قد يؤدي ذلك إلى نشوب حرب غير متكافئة يصعب بعد ذلك احتواؤها. 

3- هل تملك الولايات المتحدة الأمريكية خطة في فنزويلا؟ 

هل تملك الولايات المتحدة الأمريكية خطة بديلة في فنزويلا؟ لقد أطلق الرئيس ترامب حملة الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو لأسباب أيديولوجية وهو يريد إسقاط آخر قلاع اليسار والشيوعية في العالم، إلى جانب كوبا. ترتبط هذه الأسباب بنظرية مونرو التي تؤكد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، إضافة إلى أسباب أخرى داخلية تتعلق برغبة الرئيس ترامب في كسب تأييد الناخبين الكوبيين الذين يعيشون في بلاد المنفى منذ عدة عقود. 

عندما أعلن رئيس البرلمان في فنزويلا خوان غايدو وتحديه للرئيس نيكولا مادورو سارعت سلطات واشنطن إلى الاعتراف به وقد نسجت على منواله أغلب دول العائلة الأخرى. كانت سلطات واشنطن تمني النفس بانتصار سهل في فنزويلا من دون أن تصرح بذلك معتبرة أنها قد تجني الثمرة التي نضجت وحان قطافها. 

أرسلت سلطات واشنطن مساعدة إنسانية بما قيمته 195 مليون دولار عبر الدول المجاورة لفنزويلا وتحدثت عن خطط لنشر 5000 من رجال الكومندوز في كولومبيا، استعدادا للتدخل في حالة حدوث أي عمل استفزازي من جانب سلطات كركاس. كانت الاستراتيجية التي وضعتها إدارة دونالد ترامب تقوم على انشقاق جنرالات الجيش الفنزويلي وأعمدة النظام المدني في البلاد. من الناحية الرسمية لا تزال إدارة الرئيس دونالد ترامب تقول إن جميع الأوراق لا تزال على الطاولة غير أنها اكتفت حتى الآن بفرض العقوبات الاقتصادية. 

في الأثناء ظل وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون يتحدثان عن خيار التدخل العسكري في فنزويلا. في الحقيقة فإن المأزق الراهن يترك الولايات المتحدة الأمريكية من دون حل أو خطة في فنزويلا التي ساءت فيها الأوضاع المعيشية أكثر من أي وقت مضى بسبب وطأة العقوبات على هذه الدولة التي تملك ثروة نفطية هائلة. 

4- هل فشلت المفاوضات مع كوريا الشمالية؟ 

لاشك أن إقدام سلطات كوريا الشمالية في الآونة الأخيرة على إطلاق صواريخ متوسطة المدى بشكل تجريبي يوحي بأن المفاوضات بين سلطات واشنطن وبيونغ يانغ قد وصلت في نهاية المطاف إلى طريق مسدود. منذ فشل قمة هانوي في فيتنام في منتصف شهر فبراير الماضي ظل الزعيم الكوري الشمالي يبحث عن طرق أخرى للتخفيف من العقوبات التي تكبل بلاده. 

وصلت المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية إلى طريق مسدود غير أن الرئيس دونالد ترامب يؤكد أن «العلاقة لا تزال متواصلة». يبدو أن الرئيس ترامب قد اكتشف أن هذا الملف معقد وهو ما جعله يكتفي حتى الآن بوقف التجارب الصاروخية الباليستية في كوريا الشمالية – على الأقل حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية في سنة 2020. 

5- هل يصنع الرئيس ترامب السلام في الشرق الأوسط؟ 

أعد جاريد كوشنير مستشار الرئيس دونالد ترامب وصهره أيضا خطة للسلام يفترض أن تنهي سبعة عقود من الصراعات والمواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين. في الحقيقة فقد قوض الرئيس ترامب دوره كوسيط محايد حيث إنه انحاز تماما إلى الجانب الإسرائيلي. 

وافق الرئيس ترامب على ضم القدس إلى إسرائيل ونقل إليها السفارة الأمريكية من تل أبيب واعترف بضم مرتفعات الجولان المحتلة إلى إسرائيل. يقول السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل مارتن إنديك: «لقد اتخذ ترامب عدة خطوات من شأنها أن تجهض أي إمكانية لنجاح خطته لتحقيق السلام في الشرق الأوسط». 

تتضمن الخطة المعروفة باسم «صفقة القرن» خمسين صفحة وهي تتفادى ذكر الدولتين وتحد من التنازلات الإسرائيلية مع تمكين الفلسطينيين من تعويضات اقتصادية تدفعها الدول العربية. يعتقد أنه سيتم الكشف عن تفاصيل صفقة القرن خلال شهر يونيو2019رغم أن بعض الخبراء قد نصحوا ترامب بألا يقدم على هذه المغامرة الجديدة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news