العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دفاعا عن فكرة أمريكا الجامعة

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

لقد قلت أكثر من مرة إن الهوية التي تتميز بها الولايات المتحدة الأمريكية تختلف كل الاختلاف عن هويات أغلب الدول الأخرى في العالم. فهوية أغلب الدول الأخرى في مختلف مناطق العالم مبنية على البعد الإثني. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن الهوية فكرة شاملة ترتقي فوق الأمور الإثنية. 

لقد ظلت الولايات المتحدة الأمريكية على مدى قرون كاملة تستوعب الناس القادمين إليها من مختلف مناطق العالم علما أنهم يصبحون بعد ذلك أمريكيين خلال أقل من جيل من الزمن. فعندما يكتسبون الجنسية الأمريكية فإن ذلك يحدث تحولا في حياتهم كما أن فكرة أمريكية تتحول معهم أيضا وتصبح أكثر ثراء. 

لم يكن الأمر دائما سهلا. فقد واجه القادمون الجدد في أغلب الأحيان مقاومة كبيرة واصطدموا بالتمييز وعانوا من الإقصاء الذي استهدفهم. رغم التعصب الذي واجهه الكثير من الناس الذي جاءوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية من مختلف أنحاء العالم فإن موجات متعاقبة من المهاجرين قد أصبحوا مواطنين أمريكيين وأسهموا في تغيير المشهد الثقافي والموسيقى وتقاليد الطبخ وروح الفكاهة والتاريخ في الولايات المتحدة الأمريكية. 

رغم فترات المقاومة والرفض الذي قوبل به المهاجرون الذين قدموا مؤخرا إلى الولايات المتحدة الأمريكية فقد ظلت الولايات المتحدة الأمريكية على هذه الصورة على مدى أجيال متعاقبة. أما اليوم فإنني أعتقد أننا نشهد حالة انحلال لفكرة الهوية الأمريكية نفسها. لقد استحضرت هذه القصة من وحي كلامي عن الهوية الأمريكية. 

قبل بضعة أعوام من الآن دعيت كمتحدث في حفل عشاء على شرف مسؤول أمريكي من جذور لبنانية بمناسبة تقاعده. لقد نظمت مأدبة العشاء في مركز شيده الأمريكيون من أصل لبناني. في بهو المركز كانت الجدران تزدان بصور أعضاء المركز من اللبنانيين الأمريكيين والذين خدموا بدورهم في الجيش الأمريكي. كانت هناك صور لرجال ونساء أمريكيين من أصل لبناني وهم بلباسهم العسكري، منذ فترة الحرب العالمية الأولى والثانية وصولا إلى الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية أخيرا في كل من العراق وأفغانستان. لقد كانت تلك المجموعة من الصور تروي قصة أمريكية عميقة وقد سجلت بعض الملاحظات في ذهني كي أذكرها في خطابي في تلك المناسبة التي دعيت إليها. 

قبل أن ألقي كلمتي في تلك المناسبة تولى منظم الحفل تقديم السفير القادم من لبنان ببضع كلمات. فقد تحدث عن فخر لبنان بالنجاح الذي حققه المهاجرون وأبناؤهم من بعدهم في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد استحسنت تلك الملاحظات التي أثارت إعجابي. في نهاية كلامه أعلن أنه سيحق للأمريكيين من أصل لبناني التصويت في الانتخابات القادمة في لبنان. لقد أمضيت أكثر من نصف قرن من عمري وأنا أناضل من أجلي تكريس دور الأمريكيين من أصل عربي في الساحة السياسية الأمريكية وتشجيع العرب الأمريكيين على التسجيل والمشاركة ودعم العرب الأمريكيين المترشحين، لذلك فقد أزعجني ما أعلنه السفير القادم من لبنان. 

عندما حان دوري للتحدث في تلك المناسبة حرصت على التعبير منذ البداية عن رفضي لفكرة تصويت الأمريكيين من أصل لبناني في الانتخابات وقلت إن أجدادنا قد اختاروا وحسموا أمرهم. فقد أصبحوا أمريكيين وقاتلوا في الحروب من أجلها كما أنهم اجتهدوا حتى تكون لهم مكانة في الولايات المتحدة الأمريكية. 

لذلك فأنا أعتبر أنه يجب على الأمريكيين من أصل لبناني أن يصوتوا هنا في الولايات المتحدة الأمريكية لا في لبنان. لقد ذكرنا أن النتائج التي ستتمخض عنها الانتخابات في لبنان لن تهمنا لذلك فإنه لا يحق لنا أن نقرر من يحكم لبنان.

إن ظاهرة المشاركة في انتخابات أجنبية جديدة كما أنها ظاهرة متنامية في صفوف الجاليات التي تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. أنا أتفهم رغبة بعض المهاجرين الجدد في المشاركة في الانتخابات بسبب روابطهم القوية التي مازالت تشدهم إلى بلدانهم الأصلية التي جاءوا منها غير أنني أعتبر أن هذه المشاركة في الانتخابات الأجنبية تثير المخاوف وتكرس الازدواجية في الاهتمام والولاء للولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وللبلد الذي ينحدرون منه من ناحية أخرى. 

هناك عدة أسئلة يتعين أن تطرح بكل إلحاح عندما نرى كيف أن الجنسية والهوية تنزع أحيانا مثل السترة القديمة التي يتخلص منها صاحبها. لطالما انتقدنا شرعية مشاركة المواطنين الأمريكيين في القتال في صفوف الجيش الإسرائيلي أو تحولهم إلى مستوطنين في الضفة الغربية أو تقلدهم مناصب كمسؤولين في الحكومة الإسرائيلية مثل السفير الإسرائيلي الحالي لدى الولايات المتحدة الأمريكية. 

يمكن أن يطرح ذات السؤال على باقي أبناء الجاليات الأخرى التي تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. فعندما يغادر اثنان من المسؤولين الذين عملوا في إدارة جورج بوش الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية فترته السياسية كي يترشحا ويشغلا مناصب رفيعة في دول شرق أوسطية هاجروا منها فإنه يحق لنا أن نتساءل عن حقيقة معنى أن تكون أمريكيا. 

أنا أفهم هذا الصراع الذي لايزال يعيشه بعض المهاجرين الجدد غير أنني أجده أيضا أمرا مزعجا. بل إن الأمر الذي يزعجني أكثر من أي شيء آخر هو ازدياد أعداد المواطنين المولودين على الأراضي الأمريكية والذين يبحثون في الوقت نفسه عن ازدواجية الجنسية من دول أجنبية أخرى. هذه الظاهرة لا تقتصر على الأمريكيين من أصل عربي بل إنها تنطبق أيضا على الجاليات الأخرى التي تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. 

في الماضي كانت أجيال من المهاجرين تتهافت للحصول على الجنسية والجواز الأمريكيين ومن ثم اكتساب الحق في التصويت في الانتخابات. لنا أن نتساءل اليوم عن السبب الذي يجعل أبناءهم لا يشعرون بنفس الاحساس بالفخر والنخوة والانتماء للولايات المتحدة الأمريكية وهم يتجهون اليوم في الاتجاه المعاكس ويسعون للحصول على جواز آخر يجعل منهم مزدوجي الجنسية. هذه مسألة تثير عديد الأسئلة الجدية حول تآكل الولاء للهوية الأمريكية التي تربينا عليها. 

ينحى البعض باللائمة على الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب وهم يعتبرون أنه هو الذي أشعرهم بالاغتراب ودفعهم إلى البحث عن اكتساب هويات أخرى. رغم أن الخطاب الذي ينم عن كراهية للأجانب والذي يكرسه ترامب وحزبه الجمهوري ليس مسؤولا عن هذه الظاهرة فقط غير أن سلوكيات الرئيس ترامب قد زرعت الانقسامات وأججت مشاعر الكراهية التي نعيشها اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية. 

في الحقيقة، فإن الديمقراطيين قد أسهموا أيضا في التقليل من قيمة الهوية الأمريكية. فخلال فترة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية «مبادرة الشتات» في إشارة إلى أبناء المواطنين الأمريكيين المهاجرين واعتبروهم «الجيل الأول للشتات الأمريكي» بل وراحوا يشجعونهم على الاستثمار بل والتصويت أيضا في بلدانهم «الأصلية». 

يجب أن ندرك أيضا أن المسألة ليست سياسية فحسب بل إنها أعمق من ذلك بكثير. 

بداية يجب أن ندرك أن تنامي الوعي العالمي الناجم عن وسائل الاعلام والتواصل الحديثة جعلت من الممكن الوصول إلى أعداد ضخمة من المتلقين عبر العالم. لقد أصبحنا أكثر وعيا بالعالم وبمكانتنا في هذا العالم. لقد أصبحت رؤيتنا عالمية ولا تنحصر فقط في الجالية التي ننحدر منها أو حتى البلاد التي نعيش فيها. نحن نعي خطر التغير المناخي أكثر من ذي قبل كما أننا نبدي اهتماما أكبر بمسائل وقضايا حقوق الانسان في أبعد الدول والمناطق في هذا العالم. 

ينطبق هذا الأمر خاصة على الجيل الجديد من، أعني الجيل الذي يسميه أخي جون زغبي «العالميون الأوائل». قبل بضع سنوات من الآن كانت حفيدتي في الصف الثامن قد أنجزت بنفسها فيلما قصيرا مدته نصف ساعة بعنوان «انطباعات عن الولايات المتحدة الأمريكية». فقد تواصلت عبر الفيسبوك وسكايب مع أترابها في ما لايقل عن 13 بلدا من بلدان العالم وتحاورت معهم وأجرت معهم حوارات تدور حول نظرتهم للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا هو ما تفعله التقنية الحديثة التي اقتحمت حياتنا في كل مناحيها وهذا هو ما أفرزته من نتائج – لقد أفرزت جيلا يعرف ويفكر ويهتم بالعالم ويأبه لقضاياه كما أن هذا الجيل أصبح قادرا على التحرك والفعل عندما يتعلق بمسألة تربطه بالعالم. هذه هي الولايات المتحدة الأمريكية وهذا هو العالم الذي أصبحنا نعيش فيه. 

عندما تحدث الرئيس دونالد ترامب اليوم عما يسميه «استعادة عظمة الولايات المتحدة الأمريكية» فإنه لا يخاطب هؤلاء «العالميون الأوائل» أو الأجيال الأقدم التي تحمل رؤية أكثر شمولية لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. 

إن الرئيس ترامب يخاطب في حقيقة الأمر أولئك الذين يحملون فكرة محدودة عن الولايات المتحدة الأمريكية فكرة مفعمة بكراهية «الآخر» والخوف من أي تغيير. إن ما يخيف ويزعج في ظل مثل هذه البيئة هو أن أصدقائي لن يرفعوا العلم الأمريكي في الأعياد القومية. فقد استسلموا وتخلوا عن المعركة وسلموا أمريكا وتخلوا عن رموزها لأولئك الذين يروجون لفكرة الولايات المتحدة الأمريكية من زاوية ضيقة تكرس انعدام التسامح. 

إن مثل الأمر ينم عن شعور بالهزيمة الذاتية. يحق لهؤلاء الذين أتحدث عنهم الشعور بالاغتراب والقول بأن هذا الأمر لا ينحصر فيهم لكن من الخطأ التخلي عن فكرة وروح أمريكا لأولئك الذين يحملون مثل هذه الرؤية الضيقة عن الولايات المتحدة الأمريكية. فالعلم الأمريكي ليس علمهم كما أن السعي لاكتساب الجنسية المزدوجة أو الحصول على جواز سفر من دولة أجنبية لا يمثل الرد المناسب للتغلب عل الشعور بعدم الاكتمال في دنيا العولمة الرحبة.

لقد سبق لجيل آخر أن صمد في وجه تصنيف ما يسمى «الطبقة الوسطى من البيض» عقب الحرب فيما يتعلق بمفهوم الهوية الأمريكية وهو ما أسهم في تعزيز التعددية الثقافية والشعور بنخوة الانتماء للجذور الإثنية والعرقية. 

يتعين على جيلنا اليوم أن يكافح من أجل توسيع وتعزيز الرؤية المتعلقة بمعنى أن تكون أمريكيا والتصدي للرؤية الضيقة التي يسعى لتكريسها الرئيس الحالي دونالد ترامب ومؤيدوه من القوميين البيض. 

إن فكرة أمريكا ليست فكرتهم وهي ليست حكرا عليهم. إن فكرة أمريكا أكبر منهم. إن الوضع يحتم عليها رفع التحدي والدفاع عن فكرة أمريكا الشاملة وهويتنا القومية الجامعة في عالم تتسارع فيه العولمة. 

‭{‬  رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news