العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

مقالات

مقاومة التغيير

بقلم: د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

تحدثنا في المقال السابق عن أهمية التغيير ودوره في العملية التنموية، وذكرنا أن العالم يتغير بوتيرة عالية وأن التغيير سنّة من سنن الحياة وضرورة للبقاء والنمو. في هذا المقال سنحاول الإجابة على السؤال الذي يفرضه واقع الحال في المجتمعات النامية وهو لماذا يقاوم البعض التغيير ويفضل البقاء على الوضع الذي استمر فيه لعقود من الزمن؟ 

للإجابة على هذا السؤال دعونا نستعرض تجربة إحدى الشركات المحلية. شركة تأسست قبل أكثر من ثلاثين عامًا متوسطة الحجم ومستقرة في الإنتاج والعمل. متوسط عائدها المالي لا يتجاوز 5%. مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية التي لا يغيرها إلا الموت ظلوا يمجدون بعضهم بعضا على هذا النجاح المستمر، فهم يعتبرون أن استمرار بقاء الشركة في السوق من دون مشاكل وبهذا القدر من الأرباح يعد إنجازا عظيمًا من إدارة تمتلك الخبرة الواسعة في الإدارة والإنتاج. رئيس مجلس الإدارة الذي بقي رئيسا لأكثر من عقدين من الزمن أصبح يُنظر إليه كالأب الروحي للشركة وكأفضل شخصية يمكن أن تدير الشركة.

وعلى الرغم من تقدمه في العمر فإنه ظل متمسكا بهذا المنصب خاصة أنه أصبح بحكم سنه محل احترام وتقدير الآخرين. قبل فترة زمنية انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد أن أفنى عمره في هذا المنصب. مجلس الإدارة قام بتعيين شخص آخر كرئيس لمجلس الإدارة، والذي بدوره قام باتخاذ عدة قرارات هيكلية منها تغيير المدير التنفيذي وأعضاء مجلس الإدارة، كما قام بدراسة الوضع المالي والهيكلي للشركة. فتوصل إلى الخلاصة التالية:

1- أن ولاء الرئيس التنفيذي ومساعديه طوال هذه السنين كان لرئيس مجلس الإدارة وليس للشركة.

2- استراتيجية الشركة ونظامها الإداري لم يتغيرا منذ إنشائها، فالرئيس رحمه الله كان يقاوم ويهاب التغيير، حيث كان يعتبره مخاطرة كبيرة قد تؤدي إلى فقدانه المنصب.

3- على الرغم من أن الشركة كانت تحقق أرباحا بنسبة 5% لسنين طويلة فإنه كان بإمكانها مع إجراء بعض التغييرات الإدارية ومواكبة التطورات، أن تحقق أرباحا أكثر من ذلك بكثير قد تصل إلى 40%. بلغة الاقتصاد الشركة كانت في الواقع تحقق خسائر مالية بنسبة 35%.

4- الشركات التي كانت تعد المنافس التقليدي لهذه الشركة أصبحت من الشركات الكبرى وبقدرة تنافسية ومالية هائلة.

خلال الثلاث سنوات الأولى وبعد التعديلات التي أجرتها الإدارة الجديدة تغير كل شي في الشركة، فالمبيعات والأرباح سجلت ارتفاعا ملحوظا، واستثمارات الشركة تنوعت وتضاعفت، وأصبح لديها شعار جديد ورؤية مستقبلية جديدة، ونظام متطور للمحاسبة يمنع الفساد والمفسدين، كما أن التوظيف والتعيينات الجديدة في جميع المناصب تتم بناء على الكفاءات والمؤهلات العلمية.

المشكلة التي وقعت فيها الإدارة القديمة هي أنها كانت تعتقد أن الشركة تعمل بأقصى قدراتها المالية والإدارية وأنها تحقق أكثر من النجاح المطلوب، كما أن الإدارة التنفيذية كان إبداعها لا يتعدى التزامها التام بتنفيذ أوامر وتوصيات الإدارة العليا، بهذه النظرة الضيقة وبهذا الوضع لم تقتنع الإدارة العليا بأهمية مراجعة سياسة الشركة أو إعادة هيكلتها أو حتى تغيير الجهاز التنفيذي ليتناسب والتطورات التي يشهدها الوضع الاقتصادي والسوق، فليس هناك حاجة إلى التغيير ولا طموح إلى مستقبل أفضل للشركة.

كان على الإدارة السابقة أن تعرف أن العلم يتطور والعالم يتغير إلى الأفضل وأن هناك ابتكارات تخفض الإنتاج وتضاعف الأرباح. يحدثنا التاريخ أن معظم التغييرات العظيمة التي تحدث أو حدثت عبر التاريخ وكذلك المعجزات الاقتصادية التي حققتها بعض الدول كاليابان وسنغافورة وغيرها من الأمم وكذلك النجاح المبهر في كثير من الشركات العالمية كانت نتيجة وجود قيادات عظيمة التزمت بالتغيير كعنصر أساسي للتقدم والازدهار. 

إن مثل هذه التغييرات تحتاج إلى معرفة وشجاعة وعزيمة وإصرار، وإلى ثقة عالية بالنفس فمتى كان صانع القرار ذا ثقة كبيرة بنفسه وبقدراته فهو في الطريق الصحيح لتحقيق المجد والازدهار، وهذه الثقة تقودنا إلى تحمل المسؤولية في الفشل والنجاح.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news