العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

إيران وأوروبا.. حدود المراهنة وآفاقها المستقبلية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ - 01:15

في ظل استمرار احتدام الأزمة الإيرانية الراهنة يلاحظ سعي إيران لما يمكن أن نطلق عليه «توظيف التناقضات» سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي، ومن ذلك محاولة توظيف الخلاف الأمريكي - الأوروبي بشأن الاتفاق النووي وغيره من القضايا الأخرى ضمن الأزمة الراهنة، ويثير ذلك تساؤلاً مهما مؤداه: هل تنجح المراهنة الإيرانية على دور أوروبي مؤثر في تلك الأزمة؟ بمعنى آخر هل تمثل أوروبا ثغرة لإيران للاستمرار في سياساتها التي تهدد الأمن الإقليمي ومن ثم الأمن العالمي؟

ففي أعقاب إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018 أعلنت الدول الأوروبية آلية مالية للتعامل مع إيران استهدفت تسهيل صادرات النفط الإيرانية للدول الأوروبية، فضلاً عن تسهيل التبادل التجاري مع إيران من خلال اعتماد عملات غير الدولار الأمريكي، إلا أن تلك الآلية لم يكن لها تأثير منذ الإعلان عن تأسيسها سواء بالنظر إلى حالة الغموض التي اكتنفت عملها أو إصرار الولايات المتحدة على التطبيق الصارم للعقوبات على إيران الأمر الذي دفع إيران إلى إمهال الدول الأوروبية مدة شهرين تنتهي في الثامن من يوليو القادم لإخراج قطاعها المصرفي والنفطي من العزلة المفروضة عليهما جراء العقوبات الأمريكية لما أسمته إيران «الوفاء بالتزاماتها ضمن الاتفاق النووي» الموقع عام 2015. حيث هددت إيران بزيادة نسبة التخصيب ووقف إعادة هيكلة منشأة آراك حال عدم وجود تجاوب الأطراف المعنية بالاتفاق النووي مع مطالبها بشأن قطاعي النفط والبنوك وهو الأمر الذي رفضته وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني ووزراء خارجية كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بيان مشترك بالقول «نرفض أي إنذار وسنعيد تقييم احترام إيران لالتزاماتها في المجال النووي» ما دفع إيران إلى إثارة تهديدات جديدة للجانب الأوروبي ومن ذلك تهديد مسؤول إيراني «بإغراق أوروبا بالمخدرات إن لم تدفع الدول الأوروبية التزاماتها من تكاليف لمكافحة تهريب المخدرات من إيران إلى أوروبا».

ومع التسليم بأن حالة الشد والجذب بين إيران والدول الأوروبية ليست وليدة اليوم إذ تمتد منذ قرابة العام فإن الأمر الذي يجب التأكيد عليه هو أنه حتى حال تمسك الدول الأوروبية بالاتفاق النووي فإن السياق الإقليمي والدولي ليس في صالح إيران وهو ما تؤكده ستة مؤشرات أساسية الأولى: رفض روسيا طلبا إيرانيا بشراء أنظمة الدفاع الصاروخي إس 400. والثانية: أنه في ظل سعي كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والنرويج لتقديم أدلة لمجلس الأمن حول الاعتداء على ناقلات النفط قبالة إمارة الفجيرة وحال استكمال التحقيقات ومن ثم صدور بيان أو قرار من مجلس الأمن فإنه سوف يضع الموقف الأوروبي على المحك ليس فقط بالنظر إلى أن أمن الطاقة مسألة تهم جميع دول العالم بما فيها الدول الأوروبية بل بالنظر إلى العلاقات الأوروبية -الخليجية، والثالثة: وجود تباين داخل الاتحاد الأوروبي ذاته حتى بشأن آلية التعامل المالي مع إيران ففي الوقت الذي تؤيدها كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا نجد أن هناك دولا أوروبية تعارضها، والرابعة: أنه حتى لو أعلنت الدول الأوروبية استمرار تمسكها بالاتفاق النووي فإن لديها موقفًا ثابتًا ومبدئيا بشأن الحفاظ على التوازن الإقليمي والمصالح الأوروبية في الخليج والشرق الأوسط عمومًا وهو ما تؤكده تصريحات المسؤولين الأوروبيين الذين قاموا بزيارة دول الخليج والعراق وإيران خلال الأشهر المنقضية من العام الحالي ومن ذلك الزيارة التي قام بها هايكو ماس وزير الخارجية الألماني إلى كل من العراق وإيران ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن فيما تردد أنها «رحلة إلى الأزمة»، والخامسة: في الوقت الذي تسعى فيه الدول الأوروبية لإيجاد مخارج للأزمة الراهنة ومنها دعوة فرنسا إيران إلى إجراء محادثات دولية أوسع نطاقًا حول برنامجها النووي وطموحاتها العسكرية فإن إيران لم ترفض المقترح الفرنسي فحسب بل إنها واصلت سياسة التهديد ومن ذلك الإعلان عن منظومة دفاع جوي جديدة محلية الصنع والتي لديها القدرة على تعقب ستة أهداف وتدميرها بالصواريخ وفقًا للمصادر في هذا الشأن، والسادسة: وجود تيار أوروبي يستهدف تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية فبعد القرار البريطاني العام الماضي، يشهد البرلمان الألماني نقاشًا محتدمًا حول الأمر ذاته وربما تحذو دول أخرى حذو هاتين الدولتين وهو ما سوف يلقي بظلاله على إيران، فضلاً عن مغادرة العديد من الشركات الأوروبية الكبرى إيران، بالإضافة إلى إقرار وزير النفط الإيراني بصعوبة الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وإعلان وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة على إيران تستهدف أكبر شركة قابضة للبتروكيماويات والتي تتبع الحرس الثوري الإيراني وجميعها مؤشرات تلقي بظلالها على الموقف الإيراني حال الإعلان عن مفاوضات. 

ويعني ما سبق ثلاث نتائج مهمة الأولى: أنه على الرغم من وجود خلاف أمريكي- أوروبي بشأن الاتفاق النووي فإن هناك اتفاقا على عدم السماح لإيران بتهديد الأمن الإقليمي الذي لا ينفصل عن الأمن العالمي سواء بتطوير طاقة نووية للأغراض غير السلمية أو تطوير أجيال جديدة من الصواريخ البعيدة المدى، والثانية: أنه من التبسيط النظر إلى العلاقات الأوروبية - الأمريكية من منظور المسألة النووية الإيرانية فحسب إذ لا تزال هناك دوائر أخرى وقضايا أخرى، صحيح أنها لا تخلو من خلافات ازدادت حدتها إبان العامين الماضيين إلا أن ذلك لا يعني بلوغ الانقسامات مداها إذ لا تزال هناك قواسم مشتركة وأطر مشتركة للعمل بين الجانبين، والثالثة: ليس من مصلحة الدول الأوروبية تهديد توازن القوى الإقليمي الراهن وخاصة في ظل استمرار الأزمات الإقليمية الراهنة من دون حسم والتي ترتب تهديدات أمنية ليس أقلها الإرهاب الذي يتطلب جهودًا جماعية لمواجهته في بؤرتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية 

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

MOHAMMED ABDULL

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news