العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

البُعد الاقتصادي ومؤشراته في التنمية المستدامة (2)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

يلاحظ الباحث في مجال التنمية المستدامة أنه منذ منتصف الأربعينيات من القرن العشرين احتل موضوع التنمية الاقتصادية مكانًا مهمًّا وسط الأبعاد الأخرى التي تضفي بُعدًا أعمق على التنمية البشرية والمجتمعية، حيث وُجد أنها تسهم في تقدم المجتمع عن طريق استنباط أساليب إنتاجية جديدة أفضل ورفع مستويات الإنتاج من خلال تطوير المهارات والطاقات البشرية وخلق تنظيمات أفضل، هذا فضلاً عن زيادة رأس المال المتراكم في المجتمع عبر الزمن، وقد أشارت تلك الدراسات الصادرة آنذاك إلى أن التنمية الاقتصادية ما هي إلا العملية التي بمقتضاها يتم دخول الاقتصاد القومي مرحلة الانطلاق نحو النمو الذاتي المتكامل المستدام.

وعلى الرغم من ذلك فإن التنمية الاقتصادية لم تُشمل ضمن الأهداف الإنمائية للألفية التي أطلقت في عام 2000 على اعتبار أنها بُعد من أبعاد التنمية البشرية، وإن كان مصطلح (التنمية المستدامة) لم يتبلور في ذلك الوقت بالصورة التي نعرفها اليوم، وإن كان هذا المصطلح قد أطلق في قمة (ريو) أو (قمة الأرض) في يونيو 1992. وهي القمة التي نظمتها الأمم المتحدة بريو دي جانيرو بالبرازيل من أجل البيئة والتقدم، فيما سمي في ذلك الوقت (أجندة أعمال القرن 21).

وفي عام 2012 في مؤتمر ريو + 20. وإقرارًا بنجاح الأهداف الإنمائية للألفية اتفقت الدول على الحاجة إلى خطة إنمائية جديدة لما بعد عام 2015. وفي أوائل أغسطس 2015. توصلت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة بالإضافة إلى عدد من جمعيات المجتمع المدني إلى توافق في الآراء بشأن الوثيقة الختامية للخطة الجديدة وقد صدرت بعنوان «تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030»، عندئذ احتلت التنمية الاقتصادية والبُعد الاقتصادي مكانته التي تليق به في خطط التنمية المستدامة وأصبح للبُعد الاقتصادي بصمات مؤثرة على قطاعات التنمية البشرية المختلفة بصورة واضحة وبدأت تؤخذ في الاعتبار، ليس ذلك فحسب بل غدت منذ تلك اللحظة مرتبطة بصورة مباشرة بالبُعد البيئي والبُعد الاجتماعي وربما الأبعاد التنموية الأخرى.

ولقد وضعت العديد من الأدبيات المتعلقة بالتنمية المستدامة العديد من الأهداف الخاصة بالبُعد الاقتصادي فيما يؤدي إلى تحديد التنمية المستدامة في الدول، ومنها:

1-  زيادة الدخل القومي أو الوطني؛ والذي يعتبر من أهم أهداف التنمية الاقتصادية في الدول وخاصة الدول النامية، إذ إنه من المعروف أن السبب الأساسي الذي يدفع هذه البلاد إلى تردي التنمية الاقتصادية هو فقرها وانخفاض مستوى معيشة أهلها وتزايد نمو عدد سكانها، لذلك فإنه من البديهيات أن زيادة الدخل الوطني يعد السبيل المهم للقضاء على كل هذه المشاكل. وتشير الدراسات إلى أن زيادة الدخل القومي الحقيقي ليست الزيادة النقدية فحسب بل ما يتمثل في السلع والخدمات التي تنتجها المواد الاقتصادية خلال فترة زمنية معينة وليس هناك شك في أن زيادة الدخل القومي الحقيقي في أي بلد من البلدان تحكمها عوامل معينة، كمعدل الزيادة في السكان وإمكانيات البلد المادية والفنية وما إلى ذلك.

2-  رفع مستوى المعيشة؛ والذي يُعد من بين الأهداف العامة التي تسعى التنمية الاقتصادية إلى تحقيقها في الدول المتخلفة اقتصاديا، وذلك أنه من المتعذر تحقيق الضروريات المادية للحياة وتحقيق مستوى ملائم للصحة والثقافة ما لم يرتفع مستوى معيشة السكان، وبالدرجة الكافية لتحقيق مثل هذه الغايات. وبما أن مستوى المعيشة يقاس بمتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، لذلك فإنه كلما كان هذا المتوسط مرتفعا دل ذلك على ارتفاع مستوى المعيشة والعكس أيضًا يكون صحيحا.

3-  تقليل التفاوت الطبقي من خلال الدخول في الثروات؛ يلاحظ في العديد من الدول وجود فروق كبيرة في توزيع المدخول والثروات بين أفراد المجتمع، إذ تستحوذ مكونات صغيرة من المجتمع على الجزء الأكبر من ثروته ونصيب عال من دخله القومي بينما لا تمتلك غالبية أفراد المجتمع إلا نسبة بسيطة من ثروته وتحصل على نصيب متواضع من دخله القومي، وهذا التفاوت من توزيع الثروات والدخول يؤدي إلى انقسام المجتمع واضطرابات شديدة فيما ينتجه المجتمع وما يستهلكه، وكلما زاد هذا الاضطراب زاد رأس المال المعطل في المجتمع، ذلك أن الطبقة الغنية لا تنفق في العادة كل ما تحصل عليه من أموال بسبب ارتفاع ميلها الحدي للاستهلاك، وهذا ما يؤدي في الأجل الطويل إلى ضعف قدرة الجهاز الإنتاجي، وزيادة تعطل العمال، لذلك فليس من المستغرب اعتبار تقليل التفاوت في الدخول والثروات من بين الأهداف العامة التي تسعى التنمية الاقتصادية إلى تحقيقها.

4-  تعديل التركيب النسبي في المدخول القومي أو الوطني؛ ويعني ذلك تنويع مصادر الدخل وعدم اعتماد البلاد على قطاع واحد من الأنشطة الاقتصادية كمصدر للدخل القومي، سواء كانت تعتمد على الزراعة فقط، والبحث في إنشاء ودعم قطاع الصناعة، وذلك أن الاعتماد على قطاع واحد يعرض البلاد إلى خطر التقلبات الاقتصادية الشديدة نتيجة التقلبات في الإنتاج والأسعار في هذا القطاع الوحيد المستغل، ما يشكل خطرًا جسيمًا على هدوء واستقرار مجرى الحياة الاقتصادية، لذلك فإن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أنه يجب على القائمين بأمر التنمية في البلاد إحداث توازن في القطاعات وعدم الاعتماد على قطاع واحد كمصدر للدخل القومي، أيًا ما كان.

بالإضافة إلى بعض الأهداف الأخرى مثل:

أ - إشباع الحاجات الأساسية عن طريق زيادة الإنتاج وتحسين مستواه من أجل مواجهة الحاجات الأساسية للغالبية العظمى من الشعوب.

ب - العمل على الارتقاء بالجودة في الإنتاج.

ت - العمل على الحد من مشكلة البطالة.

ث - زيادة دور القطاع  الخاص في التنمية وفق آليات السوق.

مؤشرات البُعد الاقتصادي

تصف هذه المؤشرات خصائص الجهاز الاقتصادي الاجتماعي للبلد، ويمكن أن تقدم على شكل معدل متوسط من كتلة إجمالية كالدخل السنوي للفرد، أو على شكل نسب مختلفة من الناتج القومي الإجمالي كمعدل التصدير أو الاستيراد أو الديون، أو تقدم على شكل نسب فيما بينها كخدمة الدين بالقياس إلى قيمة الصادرات، وأبرز هذه المؤشرات الناتج القومي أو المحلي الإجمالي الكلي أو للفرد. فمثلاً يمكن أن تقاس بهذه الكيفية:

أ - نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي؛ يعد مؤشرا من مؤشرات القوة الدافعة إلى النمو الاقتصادي حيث يقيس مستوى الإنتاج الكلي وحجمه ومع أنه لا يقيس التنمية المستدامة قياسًا كاملاً فإنه يمثل عنصرًا مهما من عناصر نوعية الحياة. وقد شهد نصيب الفرد العربي ارتفاعًا من 2096 دولارًا عام 1995 إلى 2492 دولارًا عام 2003. غير أنه ما زال منخفضًا مقارنة بـ7804 دولارات على المستوى العالمي، و4054 دولارا على صعيد الدول النامية.

ب - نسبة إجمالي الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ ويقصد بهذا المؤشر الإنفاق على الإضافات إلى الأصول الثابتة الاقتصاد كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يقيس نسبة الاستثمار إلى الإنتاج. وتشير الإحصائيات إلى انخفاض هذا المؤشر خلال 20 سنة الماضية من 21.9% في عام 1990 إلى 20.5% عام 2003. وتتفاوت النسبة بين الدول العربية من بلد إلى آخر. 

ت - رصيد الحساب الجاري كنسبة مئوية من الناتج الإجمالي؛ يقيس مؤشر رصيد الحساب الجاري درجة مديونية الدول ويساعد في تقييم قدرتها مع تحمل الديون، ويرتبط هذا المؤشر بقاعدة الموارد من خلال القدرة على نقل الموارد إلى الصادرات بهدف تعزيز القدرة على التسديد.

ث - صافي المساعدة الإنمائية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي؛ يقيس هذا المؤشر مستويات المساعدة مسيرة الشروط التي تهدف إلى النهوض بالتنمية والخدمات الاجتماعية وهو يرد بصورة نسبة مئوية من الناتج الوطني الإجمالي.

إلا أن بعض علماء التنمية الاقتصادية أضافوا مؤشرات أخرى إلى مؤشر الدخل القومي، إذ قالوا إن الدخل القومي لا يعطي إلا صورة واحدة ووحيدة للنمو والرفاه الاقتصادي، لذلك اتخذ بعضهم (البنية الاقتصادية) كمؤشر وآخرون درسوا (أنماط الاستهلاك والإنتاج) وما إلى ذلك، فلو ضربنا - مثلاً - مؤشر أنماط الإنتاج والاستهلاك كمثال، فإنه يمكن القول إن أهم مؤشرات الأنماط الإنتاجية والاستهلاكية في التنمية المستدامة، وهي:

استهلاك المادة: وتقاس بمدى كثافة استخدام المادة في الإنتاج، والمقصود من المادة هنا كل الموارد الخام الطبيعية.

استخدام الطاقة: وتقاس عن طريق الاستهلاك السوي للطاقة لكل فرد، نسبة الطاقة المتجددة من الاستهلاك السنوي، وكثافة استخدام الطاقة.

إنتاج وإدارة النفايات: وتقاس بكمية إنتاج النفايات الصناعية والمنزلية وإنتاج النفايات الخطرة، وإنتاج النفايات المشعة وإعادة تدوير النفايات.

النقل والمواصلات: وتقاس بالمسافة التي يتم قطعها سنويا لكل فرد مقارنة بنوع المواصلات (سيارة خاصة، طائرة، مواصلات عامة، دراجة هوائية... إلخ).

عمومًا، وعلى الرغم من بعض الاختلافات في بعض وجهات النظر إلا أن مؤشرات البُعد الاقتصادي للتنمية المستدامة تبقى مؤشرات مهمة لقياس الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للسكان ولا يمكن صرف النظر عنها، وإن التفكير بالديمومة والاستدامة أدى بشكل معمق إلى تطوير أدوات قياس التنمية الاقتصادية التي بدورها كان لها تأثير - بصورة عامة - على صياغة مؤشرات التنمية المستدامة بأبعادها الأخرى المختلفة. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news