العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

من ركائز الثقافة الإسلامية

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

تمتاز الثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات بميزات كثيرة تعجز أي ثقافة عن مجاراتها، فهي ثقافة أصولها مستمدة من الوحي المقدس، يقول تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) يوسف/3.

مادة هذه الثقافة ومكوناتها الأساسية نزلت ماءً طهورًا من اللوح المحفوظ، وهي تستمد بقاءها واستمرارها من بقاء الوحي واستمراره، وهي صافية صفاءً لا مثيل له، قال سبحانه وتعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) النور/35.

بهذا الصفاء، وبهذا النقاء كانت الثقافة الإسلامية، وستبقى متفوقة متقدمة على غيرها من الثقافات، فأنت حين تريد أن تعرف قصة قوم ومآلهم لن تجد مصدرًا صادقًا، ومنبعًا صافيا تستقي منه هذه المعرفة إلا القرآن الكريم معجزة الإسلام الخالدة، ودعونا نتأمل قصة أهل الكهف في القرآن، وكيف تحدث القرآن عنهم، قال تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) الآية 13.

بهذه البداية الصافية من أي غبش تاريخي، أو أي تزوير أسطوري يبدأ الحق سبحانه وتعالى القصص على رسوله (صلى الله عليه وسلم).

سأل أحد دعاة الإسلام أحد القساوسة بعد أن قص عليه الداعية قصة السيدة العذراء مريم أم السيد المسيح (عليهما السلام) في القرآن، وقال له الداعية: لو أردت أن تقص على ابنتك قصة العذراء مريم فأي قصة تختار؟ القصة التي جاءت في القرآن أم القصة التي جاءت في الأناجيل؟ قال القس: سوف اختار القصة التي وردت في القرآن، سأله الداعية: لماذا لا تقص عليها رواية الأناجيل؟ قال القس: لأن القرآن طهرها من كل عيب، ورفع من ذكرها، وأثنى عليها وعلى وليدها، بينما الأناجيل أو بعضها خاضت في عرضها، ولوثت سمعتها!

هذا مثال واحد على عظمة الثقافة الإسلامية وسموها على غيرها من الثقافات. وهنا سوف نذكر بعض الركائز التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية ومنها: أن نصوصها محفوظة بحفظ الله تعالى لأصلها وهو القرآن الكريم، يقول تعالى: (إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر/9، وقال أيضًا في صيانتها عن التحريف بصيانته للقرآن: (.. وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)) فصلت.

وهناك من الأدلة ما يثبت عصمة القرآن عن التحريف، وفي هذا حفظ للثقافة الإسلامية عن التحريف أيضًا بالزيادة والنقصان، قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا) النساء/82، وأيضًا حكم الحق سبحانه باستحالة أن يأتي المخالفون لدعوة الإسلام بقرآن مثله، فقال سبحانه: (قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) الإسراء/88.

ومن ركائز الثقافة الإسلامية أيضًا أنها ثقافة شاملة، قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرا) الإسراء/9.

فهذا القرآن الذي هو أصل الثقافة الإسلامية يأتي بالتي هي أقوم في العقيدة، ويأتي بالتي هي أقوم في الشريعة، ويأتي بالتي هي أقوم كذلك في العبادات والأخلاق والمعاملات، بل لقد جعل الله تعالى لأركان الإسلام غايات تنتهي إليها، وأهدافا تسعى إلى تحقيقها، فالتوحيد الخالص لا يقبل أي لون من ألوان الشرك الخفي أو المعلن، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهر المال، وتزكي النفس، وتحقق للمزكي مقامًا كريمًا لأنه يحظى بدعاء الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والصوم يحقق التقوى، والحج يطهر العبد وينقيه من الرفث والفسوق والجدال في الحج وبعد الحج.

ومن ركائز الثقافة الإسلامية التي تنفرد بها من دون سواها من الثقافات مثل: الليبرالية، والعلمانية، والوجودية، والماركسية، لأن هذه الثقافات ليست لها مرجعية ثابتة شاملة أما الثقافة الإسلامية، فهي ثقافة لها صفة الدوام لأنها مؤسسة على نص ثابتٍ باقٍ، وعلى مرجعية لا تتغير ولا تتبدل، وخاصة في القضايا الكبرى التي لا يختلف عليها المسلمون.

ومن ركائز الثقافة الإسلامية، أنها ثقافة ميسرة، قال سبحانه وتعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر/40،32،22،17. ومن ركائزها أيضًا أنها لها خطوط طول، ولها خطوط عرض، أما خطوط الطول، فهي تمتد من اللوح المحفوظ عند رب العزة سبحانه وتعالى إلى قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما خطوط العرض، فهي تبدأ من قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) البقرة/31، وتنتهي عند قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا) النساء/113.

ومن ركائزها أيضًا أن الله تعالى قد تعهد ببقاء نوره، وإظهار دينه على الدين كله، قال سبحانه وتعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون(32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)) التوبة.

حفظ أصول هذه الثقافة يعني حفظ الثقافة نفسها، وصيانتها من كل عبث يحاوله العابثون، ثم وبعد ذلك، فإن هذه الثقافة وبركائزها التي قامت عليها سوف تحقق التنوير الإسلامي الذي جاء ذكره في سورة البقرة في قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) الآية /257.

هذه هي الثقافة الإسلامية، وهذه هي ركائزها التي تتميز بها عن غيرها من الثقافات، ومن يعرض عنها، ويوليها دبره، فذلك مثقف مصاب بفقر في الثقافة (Anemia)، ونقص في التكوين الثقافي، وهو كمن ينازل أعداءه بغير سلاح، وهو سلاح الإيمان ومعلوم أن أشد جنود الله تعالى الإيمان!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news