العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات: رولان بارت بقلم رولان بارت!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ١٥ يونيو ٢٠١٩ - 10:16

فأنا لم أعد أشبهني البتّة!

رولان بارت

لطالما تساءلتُ وبحثتُ عن طرق التحايل والإخفاء تلك التي يتوارى بها كثيرون ممن يزعمون أنهم بالفعل كتبوا سيرهم الذاتية! وجدتُ في حديث المفكر الفرنسيّ بول ريكور عن «الذاكرة، التاريخ، النسيان» بعض الإجابة في تحايل الذات في سرد انتقائي تتلاعب فيه بذاكرتها كما يتلاعب اللاعب الماهر بقطع الشطرنج! آليات الحذف والطمس والإخفاء والإزاحة! وبالنسبة إلى الناقد والمفكر الفرنسيّ رولان بارت (1915-1980) فإن هذا الإخفاء والتحايل كان إخفاء مجازيا تعمّد فيه أن تكون كتابته عن الذات كتابة مغايرة لا تشبه سواها؛ فهو يكره فكر التماثل والتطابق. يقول بارت في سيرته الذاتية «رولان بارت بقلم رولان بارت»: كان أكره الأشياء عند سوسور الطابع الاعتباطي (للعلامة). وأمّا أكرهها عندي فهو التماثل إذ إنَّ الفنون «التماثلية» (سينما، فوتوغرافيا) والمناهج «التماثلية» قد فقدت مصداقيتها. لماذا؟ لأن التماثل يتضمن مفعول طبيعة: يكون «الطبيعي» مصدرًا للحقيقة، وما يزيد لعنة التماثل هو أنه لا يُقهر: حالما يرى المرء شكلاً ما فلابد أن يشبه شيئًا ما: ويبدو أنّه مقضي على البشرية بأن تتوخى التماثل، أي أنّه مقضيّ عليها في نهاية المطاف، بالطبيعة.

رولان بارت تداخلت في سرده الذاتي تعليقاته على ألبوم صور فوتوغرافية يحتفظ به هو أرشيف عائلته في أجيالها المختلفة من الجد إلى الأب إلى الابن رولان بارت في مراحله الحياتية المختلفة. ولكونه مشتغلاً أساسيا على علم العلامات (السيموطيقيا) فإنّه اشتغل كذلك على تفكيك العلامات التي اشتمل عليها خطاب هذه الصور الفوتوغرافية. وتشكّل هذه الصور لديه ما أسماه مخيال الصور الذي رافقه في دخوله إلى المصحة للاستشفاء من داء السل الرئوي الذي أنهكه وهو صغير. يقول رولان بارت عن مدينة بايون الفرنسية «بايون، بايون، مدينة كاملة: نهرية، تهويها ضواح صوتية، ولكنها مدينة منغلقة، مدينة حالمة: بروست، بلزاك، بلاسّون، مخيال أساسيّ للطفولة: بما هو مشهد، التاريخ بما هو رائحة، البرجوازية بما هي خطاب».

وفي تعليقه على صورته وهو لا يزال في الثانية من عمره يكتب رولان بارت: «معاصرون؟ بدأتُ أخطو خطواتي الأولى، كان بروست لا يزال على قيد الحياة، وكان على وشك أن يفرغ من كتابه بحثًا عن الزمن المفقود». في إشارة من رولان بارت إلى الروائيّ الفرنسيّ وروايته التأسيسية ذات الشهرة العالمية «بحثًا عن الزمن الضائع أو الزمن المفقود»، وهي الرواية التي كتب فيها بروست سيرته بطريقة مغايرة أيضًا احتلَّ فيها الزمن العنصر الأساس في السرد.

في كتاب «الأنا» يتحدث بارت قائلاً «ليس هذا الكتاب كتاب «اعترافات»؛ لا لكونه غير صادق، بل لأن لدينا اليوم معرفة تختلف عن معرفة الأمس: يمكن أن تلخص هذه المعرفة كالتالي: ما أكتب عني ليس البتة نهائيا ومحسوما: بقدر ما أكون «صادقًا جدًا»، أكون قابلاً للتأويل، تحت أنظار منظمات مغايرة لمنظمات الكتاب القدامى الذين كانوا يعتقدون أنهم لا يخضعون إلا لقانون أوحد» الأصالة، هذه المنظمات هي التاريخ، الأيديولوجيا، اللاوعي. تنخلع نصوصي، ولا نصّ منها يغمر النصوص الأخرى، من حيث هي مفتوحة على مختلف أشكال المستقبل تلك (أنى تفعل غير ذلك)؛ وليس هذا سوى نصّ يضاف إلى نصوص أخرى، آخر السلسلة، وليس غاية المعنى: نص على نصّ، هذا لا يوضح البتّة أيّ شيء».

الصفة التي يمكن أن أطلقها على كتاب «رولان بارت بقلم رولان بارت» أنها كتابة تقع خارج حدود الأجناس والأنواع الأدبية بما في ذلك السيرة الذاتية وقوانينها: يمكننا أن نعدها سردًا للذات يمارس فيها بارت عدته النقدية من السيموطيقيا (علم العلامات) إلى التأويل، هي كتابة تمتاز بقدر كبير من المجازية المكثفة، وبالقدر الكبير من جعل النصوص تمتاز بطاقات هائلة على التأويل. هو نص أراد بارت أن يجعله في درجة الصفر من الكتاب معلنًا عن موت المؤلف كي يمارس المتلقي لعبته التأويلية. لذلك فإن هذه الكتابة تتوافر على درجة عالية من الصعوبة، وتحتاج إلى قارئ يتوافر على عمق ثقافي كبير حتى يمارس تأويلاته الذكية.

 يجمع رولان بارت في هذا الكتاب تأويلاته الخاصة عن كتبه «الدرجة الصفر للكتابة» «ميشليه بقلمه» «ميثولوجيات» «حول راسين» «منظومة الموضة» مملكة العلامات «لذة النص» وغيرها من الكتب والنصوص التي ألفها، ولكنه في الوقت نفسه يتوق إلى التخلص من المرجعيات الفكرية والفلسفية والثقافية والانعتاق منها. يقول رولان بارت: «كان يعمل دائمًا وحدّ الآن تحت وصاية المنظومات الكبرى، المنظومة تلو الأخرى (ماركس، سارتر، بريشت، السيميولوجيان النصّ). أمَّا اليوم فيبدو له أنه يكتب بلا حماية، إذ إنَّ لاشيء يعضده ما خلا مقاطع لغات فائتة». 

«رولان بارت بقلم رولان بارت» يحرِّض المتلقي بالفعل على قراءة العلامات الثقافية التي تحيط بنا قراءة عميقة تجعل الإنسان يعيد اكتشاف نفسه واكتشاف طبيعة الأشياء المحيطة به.

 

dheyaalkaabi@gmail.com

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news