العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

«العالم العربي.. والتحديات المعاصرة للهوية العربية»

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ١٥ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

تمثل الهوية وما يرتبط بها من قضايا وإشكاليات أهم الموضوعات التي تُعنى بها العلوم الاجتماعية، ولا سيما في ظل العولمة بما تحمله في طياتها من تهديدات وأخطار تهدد الهوية الوطنية في مجتمعاتنا.. وانطلاقًا من ذلك؛ نظمت كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية جامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية يوم 4 أبريل 2019 مؤتمرًا، بعنوان «العالم العربي.. والتحديات المعاصرة للهوية العربية»، بهدف بحث تحديات الهويات العربية في ظل العولمة، ومنها دور المملكة العربية السعودية في تأكيد الهوية العربية للقدس، وتأكيد الهوية العربية لدولة الإمارات ضد الأطماع الإيرانية، والهوية الكويتية أمام الادعاءات العراقية. 

رأس المؤتمر الدكتور قدري إسماعيل عميد الكلية، وتحدث فيه نخبة من أستاذة العلاقات الدولية والنظم السياسية بالكلية منهم «أحمد وهبان»، و«ممدوح منصور»، و«أسامة العدلي»، و«عبدالحكيم الطحاوي»، ومن المملكة العربية السعودية، «عبداللطيف بن دهيش»، الأستاذ بجامعة أم القرى، ومن دولة الإمارات، الدكتورة «هدى الشامسي»، نائب سفير الإمارات بالجزائر، ومن دولة الكويت «فهد الحيالي»، الباحث في تاريخ الخليج لدى وزارة التربية والتعليم، فضلا عن العديد من الباحثين والمهتمين من مصر والعالم العربي.

في البداية، أكد «ممدوح منصور»، أهمية مفهوم الهوية في العالم المعاصر، نتيجة التسارع في التفاعلات بين الدول على المستوى العالمي، ولا سيما في مرحلة العولمة، وتشابك العلاقات الاجتماعية في المجتمع الواحد، وتنازع الأدوار بين الأفراد داخله، وأيضًا تزايد موجات الهجرة فيما بين المجتمعات المختلفة. وهي العوامل التي تُشكل تهديدًا للهوية القومية في كثير من المجتمعات، فضلا عن زيادة حدةّ التعصب في التعبير عن الهوية نتيجة الشعور بالأخطار والتهديدات الخارجية، وهذه الظاهرة ترتبط بالجماعات الاجتماعية بوجه عام، والتي يعد من أهم مقوماتها الشعور بالانتماء والولاء للجماعة، وبالتالي فإن هناك اهتمامًا كبيرًا من جانب علماء الاجتماع والعلوم الاجتماعية بوجه عام بهذه الظاهرة وبمفهوم الهوية.

وأكد «منصور»، أن مفهوم الهوية قد اكتسب كثيرًا من الأهمية، وقدمت له تعريفات كثيرة، ربطت أغلبها الهوية بالذاتية أو التعبير عنها، وبالتالي يعكس مفهومها المطابقة مع الذات أو التوحد مع الذات، والتي هي تعبير عن الكينونة أو الخصائص الذاتية التي يتسم بها الفرد أو المجتمع. فالهوية بشكل عام تنطوي على فكرة التوحد أو التشابك مع المماثلين الذين يشتركون في نفس الجماعة أو الخصائص، أو الاختلاف عن بقية الجماعات الأخرى التي تتباين من حيث الخصائص. وبالتالي، يحمل هذا المفهوم مجموعة من الخصائص منها؛ الاستمرارية بحيث يكون عابرًا للزمان ويتسم بقدر من الاستمرارية، والتكامل، بمعنى أن مكونات الهوية متكاملة وغير متعارضة مع بعضها بعضا، والفعالية، لأن الهوية يجب أن يعبر عنها من خلال مجموعة من الممارسات أو السلوكيات التي ترسخ هذا الشعور بها ليضمن تأكيد الذات وترسيخ الهوية القومية وعدم الذوبان في الهويات الأخرى الغريبة عن العالم العربي.

ومع ذلك، أوضح «منصور»، أن مفهوم الهوية قد يُثير العديد من المشكلات التي تنتج بشكل عام، إما عن المبالغة أو الإفراط في التعبير عنها، أو التخلي عنها، أو الصراعات بين الهويات المختلفة، أو التحول من هوية إلى أخرى.

أما «أسامة العدلي»، فقد أكد أن مفهوم الهوية الوطنية لكل أمة، إنما يعبر عن جملة الخصائص والسمات التي تتميز بها وتظهر بروح الانتماء لدى أبنائها، ومن دونها تفقد الأمم كل معاني وجودها واستقرارها، بل يستوي وجودها من عدمه. وفي هذا الصدد، شدد على ضرورة تعظيم الهوية الوطنية لدى أبناء الأمة من دون عنصرية لتكون عنوانًا عريضًا نحتمي به من التهديدات الخارجية التي تحيط بالعالم العربي، ولاسيما في ظل العولمة وتحدياتها.

ولتحقيق ذلك، كما يقول «العدلي»، يجب تبني المجتمعات العربية العديد من البرامج التعليمية التي تعزز وتسهم في ترسيخ مفهوم الهوية والانتماء وتُعنى بتاريخ المجتمع وتراثه، فضلا عن وجود إعلام يسعى في المقام الأول إلى تقديم ما تحتاج اليه الأمة لكي تنهض وتتقدم، من تعليم وتوجيه وإرشاد وتفقيه وتنمية، ويعبر في ذات الوقت عن واقع المجتمع وثقافته، من دون السعي لتقليد أعمى أو تشويه. 

ومن جانبه، أكد «عبداللطيف بن دهيش»، أن للمملكة العربية السعودية دورًا مؤثرًا في الحفاظ على الهوية العربية للقدس، وظهر ذلك مع بداية معارضة الملك «عبدالعزيز»، لمشروع هجرة الإسرائيليين إلى فلسطين، وموقفه الرافض من عملية تقسيم الأراضي الفلسطينية التي أعلنتها الولايات المتحدة عام 1946، وهو الموقف الذي ظل واضحا ومعلنا في سياسة المملكة الخارجية، فيما يتعلق بالهوية العربية للقدس والأراضي الفلسطينية. وفي هذا الإطار، أكد أن وزير الخارجية السعودي، زار بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا في محاولة لصد أي محاولات للمساس بعروبتها، وأنه لن يكون هناك سلام حقيقي إذا لم يتحرر القدس، وأن المملكة تعمل في منظومة عربية باعتبارها جزءًا من الدور التي تقوم به الدول العربية في الدفاع عن القدس.

ثمّ تحدث «أحمد وهبان» مؤكدا أن الهوية العربية رابطة روحية وضميرية، وأن العالم العربي أمام أزمة هوية حقيقية، وأن مجريات الواقع الدولي في ظل العولمة تشير بوضوح إلى زيف المقولات والمزاعم الأمريكية، التي لا تعدو أن تكون عملية إرادية موجهة تستهدف هيمنتهم على مقدرات العالم العربي وفرض نهجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأيديولوجي والثقافي والإعلامي. فعلى الصعيد السياسي؛ هناك إرادة القطب الأوحد التي هي قانون لا بد أن ينفذ على المستوى الدولي، كما أن على كل دولة أن تتبنى الديمقراطية (على الطريقة الأمريكية) باعتبارها النظام السياسي الأمثل الذي لا بديل له.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يجب تنفيذ مقررات المؤسسات المالية الدولية (وعلى رأسها مقررات منظمة التجارة العالمية) المكرسة لتحرير التجارة الدولية، والتحول إلى النظم الرأسمالية (من خلال ما يعرف بعملية الخصخصة). أما على الصعيد الثقافي وما يتصل بالهُوية (وهو ما يهمنا في هذا المقام) فإن العولمة؛ تعني محو سائر مقومات تفرد الهويات والثقافات العربية لتمكين عناصر الثقافة الأمريكية تحت مسمى الثقافة العالمية. ومن هذه المظاهر المطالبة بالاحتفال بالحملة الفرنسية وقنوات الفيديو كليب الموجه الى الدول العربية، واللغة الإنجليزية التي أصبحت لغة التباهي، والحرص على التعليم بالمدارس الدولية وتدريسها مقررات بعيدة عن الهوية، والاحتفال بالأعياد الأمريكية.

ولفت «وهبان»، إلى أن هناك العديد من المظاهر التي شهدتها أزمة الهوية، والتي كان من بينها ظهور طبقة من المفكرين على سطح الحياة الثقافية -تطلق على نفسها المثقفين- تم إفساح المجال أمامها لبث أفكارهم من خلال مختلف وسائل الإعلام، وأيضًا الاعتداء على دور اللغة العربية كمقوم للهوية. بالإضافة إلى أزمة أخرى نجمت عن استفحال حدة التفاوت الطبقي في ظل العولمة، دفعت بالعديد من الدول العربية إلى الأخذ بنظام اقتصاد السوق. 

فيما برزت ظاهرة تفاقم الخلل السكاني التي باتت تهز مجتمع الخليج العربي وتهدد هويته القومية، كأحد أبرز الأزمات. وتتمثل في تراجع نسبة المواطنين العرب داخل أوطانهم إلى حد أنهم أصبحوا يمثلون أقلية في بعض الحالات. 

ونتجت هذه الظاهرة عن لجوء المجتمعات العربية الخليجية إلى استقدام العمالة الأجنبية بأعداد هائلة وربما تكون غير مبررة في كثير من الأحيان، وتنحدر النسبة الغالبة لتلك العمالة من جنسيات آسيوية غير عربية، مثل: (الهندية، الفلبينية، والبنغالية، والإندونيسية، والباكستانية)، وغيرها. حيث يفضل المستقدمون العمالة من هذه الجنسيات نظرا الى تدني أجورهم. ولا يخفي ما يمثله ذلك من تهديد بالغ للهوية العربية للمجتمعات الخليجية، نظرًا الى عدم إلمامها باللغة العربية، واختلاف ثقافاتهم.

 في حين، استعرض «فهد الحيالي»، تأكيد الهوية الكويتية أمام الادعاءات العراقية من خلال عرض تاريخ تأسيس دولة الكويت واختيار الشيخ «صُباح بن جابر»، المُلقب «صُباح الأول»، لكي يكون حاكم إمارة الكويت، مؤكدا أن الكويت لم تكن يومًا تحت الإمارة العثمانية. ففي عام 1896 في حكم الشيخ «مبارك»، تم توقيع اتفاقية الحماية البريطانية للدفاع عن الحدود الكويتية ضد الأطماع العراقية والعثمانية، وبموجب تلك الاتفاقية لم تكن هناك أي سيادة عثمانية على الكويت، وذلك للحفاظ على هويتها ضد الأخطار والتهديدات الخارجية. وما إن بدأت الحرب العالمية الأولى في بريطانيا حتى كانت الكويت تحت الحماية البريطانية، وهو ما يعد تأكيدا آخر لاستقلال الكويت عن العراق. وما أن انتهت الحرب حتي حصلت بريطانيا على انتداب لها في العراق، وهذا يؤكد أن نشأة الكويت تسبق العراق، وهو ما يؤكد بشكل نهائي على هوية الكويت أمام الادعاءات العراقية. 

وأضاف «الحيالي»، أن بداية المزاعم العراقية، جاءت حين اكتشف النفط بكميات هائلة في الكويت. ومن هنا برزت المشكلات الحدودية بين البلدين، حتى سعى العراق لضم الكويت في أغسطس 1990،  واحتلال أراضيه. ومع ذلك، يؤكد أن كل تلك الادعاءات لم ولن تؤثر في الهوية الكويتية، مشيدا بوقوف الدول العربية بجانب الكويت، وخاصة مصر والسعودية، الأمر الذي جعلها اليوم عضوًا فاعلًا في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

وبدورها، أشارت «هدى الشامسي»، إلى دور الشيخ زايد في تأكيد الهوية العربية للإمارات ضد الأطماع الإيرانية، من خلال استعراض تاريخ ونشأة دولة الإمارات منذ عام1966، فعندما أعلنت بريطانيا عام 1968 نيتها الانسحاب من منطقة الخليج العربي، تحمل الشيخ زايد عام 1971 هدفين هما وحدة الإمارات العربية والخليج، وتأكيد الهوية العربية في مواجهة الأطماع الإيرانية.. ودور الشيخ زايد في الاتفاق مع حاكم دبي آنذاك الشيخ «راشد بن سعيد آل مكتوم»، على قيام اتحاد فيدرالي بين إمارة الإمارات وأبوظبي، مرورا بإعلان اتفاقية دبي لقيام الاتحاد بين الإمارات العربية، وهو ما رفضته إيران تأكيدًا لأطماعها في المنطقة العربية وخاصة الخليج العربي.. وكيف واصل الجهود من أجل الحفاظ على الهوية العربية لدول الخليج في مواجهة هذه الأطماع، وذلك خلال ترؤسه اجتماع قمة أبوظبي في مايو 1968، واتصالاته مع الملك «فيصل»، في محاولة لاحتواء الموقف الإيراني، وإجراء المفاوضات مع إيران لمحاولة وقف أطماعهم في دول الخليج.. وكيف أدرك أن مواجهة إيران تحتاج أولا إلى تعزيز الانسجام الداخلي والتلاحم وتأكيد الهوية الوطنية بين أبناء شعبه.

وختامًا؛ أكد الجميع أهمية التصدي للتهديدات الخارجية التي تواجه المنطقة العربية في ظل عصر العولمة، ولا سيما في بروز تهديدات إقليمية متمثلة في إيران وتركيا وقطر؛ والتي أصبحت تمثل تهديدا لدول المنطقة بشكل عام والخليجية بشكل خاص، بدعمها للإرهاب وزعزعة الاستقرار؛ سعيًا للقضاء على الهوية العربية والقومية لدى شعوب المنطقة.

فضلا عن تأكيدهم أن الحفاظ على الهوية العربية للوطن العربي يجب أن ينظر إليه من منظور الفكر الاستراتيجي، فهي مدخل من مداخل الأمن القومي لصناعة المستقبل ولمنع التهديدات والأجندات الخارجية التي تهدف إلى هدم العالم العربي. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news